المقطع الخاص برواية(إمرأة القارةورة) للناقد العراقي الكبير (عبد الله ابراهيم) من دراسة مطولة عن الرواية العربية بعنوان: السرد في الرواية العربية المعاصرة

 

3. التمثيل السردي وتنازع الرواة

تقدم رواية امرأة القارورة (15) لـ سليم مطر كامل خطة شديدة التعقيد والتنوع للسرد الكثيف، وقوام تلك الخطة هو التدافع الشديد بين الرواة من أجل الاستئثار بالسرد للإفصاح عن جملة من المواقف الفكرية فيما يخص الماضي والحاضر على حد سواء 0 وفيما ينبغي أن تنبثق حكاية امرأة القارورة من خلال السرد بيسر وسلاسة ، فإنها تشتبك مع الرواة في نوع من التنازع ، فالرواة منهمكون في وصف وضعياتهم الشخصية ومنظوراتهم وعلاقاتهم بامرأة القارورة وحكايتها ، الأمر الذي جعلهم يقدّمون ذواتهم وانطباعاتهم ورؤاهم بصورة استثنائية ، وبمقدار ما يمنح كل ذلك هذه الرواية خاصية فنية مهمة ، فانه يؤجّل ظهور الحكاية في نوع من التشويق الذي يسهم السرد في تنظيمه والتلاعب به ، قبل أن يعلن عن تفاصيلها تدريجياً من خلال علاقة الرواة بها في سياق ثقافي مختلف 0 وهو أسلوب في البناء السردي يتيح مجالا واسعا لأن تتجلّى الحكاية من خضم سلسلة الرؤى التي تتمركز حول نقطة ما ، فتكون نتيجتها تشكيل الحكاية التي هي رواية مجموعة من الشخصيات تتضافر عناصرها الفنية معا من أجل بلورة حكاية يمكن إدراجها ضمن نسيج متعدد المرجعيات بمكوناته التاريخية والأسطورية والسحرية، وهذا سهّل التراسل الشفاف بين المستويات الرمزية والواقعية للنص إلى درجة تحرّرت فيها الشخصيات من قيود الحركة التقليدية ، بما جعل التاريخ نفسه مادة سردية تمّ إلى تشكيلها حسب مقتضيات الأحداث . وهي إلى ذلك حكاية تخترق سكون الزمن ، فتعاصر سيل الأحداث المتدفّق الذي ينبع منذ ما يقارب خمـسة آلاف سنة هو عُمر امرأة القارورة 0 فالزمان بوصفه إطاراً للحدث ، يتقدّم ويتراجع ويتلوّى ويتكسّر في تساوق مع الاتجاهات المتشعّبة التي تأخذها الوقائع والأفعال المشكّلة لمادة الحدث السردية.

 

إن تداخل مستويات السرد يؤدي إلى حركتين متعارضتين : حركة أولى تريد اختزال السرد الذي يحتكره الرواة لصالح الإعلان عن وضعياتهم الفكرية والنفسية ، والإفصاح عن حكاية امرأة القارورة دون إبطاء 0 وحركة ثانية مضادة تتواطأ مع الرغبات الدفينة للرواة ، وهي تُرجئ إظهار الحكاية ، فيستغل الرواة الفرصة للإعلان عن أنفسهم وحكاياتهم 0 وسنجد أن هذه اللعبة السردية ، إنما هي لعبة بلاغية متكاملة غايتها الإبلاغ عن الحكاية بطرق غير مألوفة0 والواقع ، فان حكاية امرأة القارورة باعتبارها اللّب المكوّن للرواية تتنازعها ثلاثة مستويات سردية ، تتصل بثلاثة رواة : يؤدي الأول وظيفة التقديم والاستهلال دون أن تربطه سردياً رابطة مباشرة بالحكاية ، ويؤدي الثاني وظيفة تنظيم الحكاية والمشاركة فيها من خلال علاقته المباشرة بامرأة القارورة هاجر و بـ آدم . وهذا الراوي يهيمن برؤاه ومواقفه وسلطاته المطلقة على النص ، ويؤدي الثالث ، وهو ضمير غائب ، دور الوسيط الذي من خلال سرده ينبثق صوت هاجر وهو صوت لا يكتسب استقلاله الشخصي ، إنما يقترن دائماً بذلك الراوي الوسيط الذي يتقنّع بضمير الغائب في نمط من السرد الموضوعي غير المباشر على نقيض السرد الذاتي المباشر الذي يتصل بالراويين الأول والثاني .

 

تبدو ، أول وهلة ، علاقة الراوي الأول بحكاية امرأة القارورة علاقة واهية ، وهي كذلك من ناحية سردية ، اذا أُخذت بالاعتبار درجة الصلة بين ذلك الراوي والحكاية ، فالعلاقة السردية المباشرة ضعيفة ، ولايحصل تماسٌ يبنهما إلاّ بشكل عابر ، يُراد منه الايحاء بطبيعة تلك الحكاية ، بيد أنّ تلك العلاقة تبدو على غاية من الأهمية اذا نُظر اليها من زاوية أخرى ، وهي تنزيل الحكاية في موقعها السردي ، وضبط حدودها ، والتوطئة لها ، ووصف الخلفية التي تعطيها قيمة في سياق السرد 0 وما أن ينتهي الراوي الأول من وظائفه هذه إلاّ يتوارى ، ولكن ذلك يحدث ّ بعد ان يروي هو حكايته الخاصة به ؛ حكاية التمزّق بين الإكراه للالتحاق بحرب لا يؤمن بها إنما يُدفع اليها مُكرها ، ومحاولاته السبع للفرار منها ، في إصرار عجيب لا يعرف الضعف والتهاون ، وبين الشوق الدفين الذي يتملّكه منذ صباه لـ أوروبا 0 ورفض الحالة الأولى (الحرب) والاستغراق في الثانية (أوربا) أمران مرتبطان في ذهنه , ارتباط نتيجة بسبب ، يقول: طيلة سبعة أعوام لم أكن أدرك من الوجود غير أهوال الحرب ، وذلك الشوق الدفين للهروب نحو حلم تملّكني منذ صباي أوربا . مامضى يوم إلاّ وكنت ارسم من عذابات الحرب لوحة لأوربا , كإلهٍ تعس يصنع من أطيان كوارثه مخلوقاً سامياً قادراً على منح اللذة لخالقه . من شبقي المكبوت نحتُّ جسد أوربا ، ومن تجارب حبّي الفاشلة صنعت قلبها ، ومن حاجتي إلى الراحة والأمان رسمت ملامحها الخضراء ، ومن توقي الى العدالة ، والانعتاق خيّطت لها ثوباً أبيض فضفاضاً يرفرف كأجنحة فراشة ويضمني بين ثناياه كما تضمني أم في عباءتها السوداء . أوربا صارت مخلّصي المنتظر وأرضي الموعودة . حتى عذاباتها كنت أراها أكثر استساغة من أمثالها في بلادي (16) 0 مايلاحظ هنا أن التمثيل السردي ينتج عالمين متناقضين: عالم الشرق حيث ينتمي الراوي،وعالم الغرب حيث يتمنّى ، والرؤية السردية لهذا الرواي لاتعرف الحياد 0 إنها تركّب صورة مكروهة وممقوته للمكان الذي انبثق منه ( الشرق) ، وتركّب صورة احتفائية ورغبوية واستيهامية للمكان الذي ينشده( الغرب) ، إنها ثنائية الخفض والإعلاء، التبخيس والتبجيل، الكامنة في وعينا المعاصر وفي ثقافتنا0 وسوف تطّرد هذه الرؤية نفسها عند الراوي الثاني ، كما سنرى . على أن الموضوع الذي هو مدار عنايتنا هنا هو علاقة الرواي بالحكاية ، فقبل أن تتشكّل أطرافها يعلن الراوي عن عدم وجود علاقة له بها 0إن المصادفة وحدها هي التي جعلته يعرفها ، ولذا فان مسؤوليته عنها تتصل بالمساعدة في نشرها فقط 0 والدفع باتجاه فصم العلاقة بين الراوي الذي يتقّنع بقناع المؤلف والحكاية ، إنما هو لعبة سردية شائعة في الرواية العالمية والعربية ، تمثلها غالباً الصيغة المتداولة الآتية : إن المؤلف عثر على حكاية مجهولة ، وإن دوره سينتهي بنشرها وهو لايتحمّل أية مسؤولية عمّا ورد فيها 0 وهذه الصيغة بذاتها هي أكثر المداخل شيوعاً الى السرد الكثيف (أشهر وأقرب الأمثلة رواية اسم الوردة لـأُمبيرتو إيكو) ، اذ انها تبرمج الاطار العام لبناء النص السردي على نحو يحتّم ظهور ذلك السرد ، بتشعباته وتفاصيله الكثيرة 0 وقد أخذت بها هذه الرواية تماماً ، وبالغت في ذلك ، فخصّص فصل كامل ، هو ( فصل ابتدائي ) ليس فقط للبرهنة على عدم وجود صلة بين الراوي الأول والحكاية ، إنما لعرض الحكاية الشخصية لذلك الراوي ، فالمبالغة في نفي هذا النوع من العلاقة إنما هي مبالغة في تأكيدها ، يقول الراوي : قبل الولوج في عالم هذهِ الحكاية الغرائبية مع ( امرأة القارورة ) العجيبة يهمني أن أعلمكم منذ الآن اني لست مسؤولاً عنها ، ولم أشارك في أي من أحداثها ، وخيالي بريء منها . في الحقيقة اني أُجبرت على نشرها من باب الواجب لاأكثر ، منذ أن عثرت على هذهِ الحكاية بطريق المصادفة قبل أسابيع ، وانا متردد في احراقها أو رميها في البحيرة (= بحيرة جنيف) ، وقد فشلت جميع جهودي لاكتشاف شخصية كاتبها الحقيقي ، إني انشرها ولم أحاول أن أغيّر في سطورها أية كلمة، تركت المخطوطة كما سلمتني إياها سيدة الحانة (17)0 وسوف يستثمر الراوي هذهِ الفرصة للبحث في الظروف التي جعلت الحكاية تصل إليه 0 وذلك مجرّد مسوّغ يُستغل كغطاء لعرض حكايته الشخصية التي تستأثر بالأهمية الاستثنائية 0 فالرواي ، مستعينا بالسرد الكثيف كوسيط تمثيلي ، يتبطنّ شخصية المؤلف للإعلان عن مواقف آيديولوجية وثقافية ، والتصريح بآراء مزدوجة الإنتماء تتصل بالعالم الرمزي للنص من جانب وبالمحضن التاريخي له من جانب آخر، وكما رأينا في تركيب صورة تعارضية للشرق والغرب من قبل في رواية النخّاس ،فإن الصورة ذاتها ترتسم في امرأة القارورة لكنها مقلوبة الدلالة0 فالراوي يمضي في وصف حالة الإستياء والتبرّم التي دُفع اليها، وهي حالة المشاركة في حرب لاتعنيه. وهذه الحالة بذاتها ستكون محفّزا حيويا بالنسبة له للبحث عن نوع من الحرية التي يحلم بها، ولهذا تتعاقب محاولات فراره من الحرب سعيا لإشباع تلك الحاجة التي بمقدار ما هي رغبة ، فانها موقف من العالم الذي يعيش فيه، وهجاء له، فالشرق طارد والغرب جاذب0 وفي اصرار يناظر اصرار بطل رواية الفراشة يفلح الراوي في الوصول الى جنيف ليجد أن حكاية امرأة القارورة في انتظاره ، حكاية الشرق السرية المعمّدة بالألم ، وبتسهيل نشرها يختفي 0 لكن القضية الأكثر أهمية في سياق السرد هي أنه توارى بسبب نجاحه في رهان لايمكن أن يفشل فيه أمثاله، لقد انتزع مكانا رفيعا لحكايته الشخصية، ولايمكن لأحد أن يمر عليه ، دون ان تلفت أنظاره تلك الحكاية لأنها البوابة التي من خلالها يدلف إلى الحكاية الأم 0

 

بعد أن يتوارى الراوي الأول الذي يعتبر المدشّن الرئيس للحكاية والمُمهد لها يظهر آخر يلتصق بظاهرها قبل أن يتماهى معها ، ويصبح جزءا منها 0وإلى هذا الراوي تُعزى كل السمات الفنية للعالم التخيّلي-السردي الذي يحتضن حكاية امرأة القارورة ، ومع أنه يماثل الراوي الأول في اختيار الغرب مكانا للحياة استنادا إلى جملة أسباب دفعته إلى ذلك ،وانه يعيش بوصفه فردا باحثا عن اللذة في مختلف أشكالها إلاّ أن درجة حضوره في السرد تفوق درجة حضور الأول، ورؤيته أكثر وضوحا ، وحياته أكثر تنوعا،وهو بلغة إيروتيكية – فنطازية مشبعة بالإيحاءات الرمزية يقوم بتشكيل العالم التخيّلي للنص، ويموضع امرأة القارورة فيه سواء في جذورها وامتداداتها التاريخية الرافدينية أو في حاضرها الآن 0 فتتدرّج علاقته بالحكاية من كونه في البداية مجرد راو إلى أن يستأثر بمكانته بوصفه شخصية لها موقعها ودورها في الحكاية0 مع ملاحظة التكتّم على الاسم ، وينتهي الأمر به ليكون مشاركا للشخصيتين الأساسيتين هاجر وآدمفي حياتهما ومصيرهما. وكما كنا قد رأينا ذلك في حالة الراوي الأول ، فان هذا الراوي ، وبإصرار أكثر حدة وبطريقة أفضل ، ينجح في إيجاد درجة عالية من التناغم بين حكايته وحكاية آدم و حكاية هاجر0 وعلى هذا فان حضوره في النص يظل قائما لملازمته الشخصيتين المذكورتين،وخلال ذلك يمارس ضروبا من الأفعال ، ويتفّوه بسلسلة لانهائية من الأقوال التي تكشف منظوره الشبقي الذي يجعله منغمسا في عالم اللذة إلى أقصى درجة ممكنة 0إنه باحث دائم عن المتعة ، يتصيّدها ويقتفي آثارها حيثما تكون ،ولا يتردد في التصريح بأنها جوهر وجوده ومدخله إلى الحياة والعالم ، وقد اختار الغرب ليتمكن من الاقتراب إليها 0إنه يتجدد بمقدار استغراقه الجذري في المتعة الجسدية، يقول ليس في حياتي غير الرسم والحب، وفي كلتا الحالتين المرأة هي الغاية والموضوع. كنت صياداً والليل هو نهري ، كنت لا أتعب ولا أملّ، وفي صبر الصيادين تكمن قوتي. أرمي صنّارتي في نهر الليل مرات ومرات دون كلل حتى الفجر، مرة تخرج لي علبة صدئة ،ومرة ضفدعة ، ومرة غصن شجرة ، ومرة سمكة فاطسة ، حتى تصيد تلك البُنيّة الهائجة التي تظلّ تَلْبُط بين يدي لأشويها وتشويني على نيران شهواتنا حتى الصباح0 ويكتسب هذا المنظور أهمية خاصة لأنه سيعيد إنتاج كل الأشياء طبقا لمقتضياته ، وفي مقدمة ذلك هاجر امرأة القارورة ، فمهما تعدّدت أوجه تأويلها ،وتنوعت أبعادها الرمزية ، فهي آلهة للذة الجسدية، والراوي لا يراها إلا باعتبارها وريثة تجربة في اللذة يزيد عمرها على خمسة آلاف عام ، لذة بلاد الرافدين الجارفة والعريقة 0 وحتى آدم المتقشّف جسدياً ، ينتهي بتوجيه مزدوج من اليقظة التي توقدها امرأة القارورة في كيانه ، ومنظور الراوي الذي يلح على البعد الايروتيكي للحياة ، إلى شخصية مخالفة لمعايير التزهّد الجنسي الذي كان عليه من قبل .

 

وهكذا فان منظور الراوي الذي ينظّم مسارات السرد ، ويُسقط عليها شلالات من الإيحاءات الجنسية ، ويفلح في إضفاء شبكة دلالية معقّدة ترشح باللذة في تضاعيف النص 0 بانتهاء الاعتصام الجنسي لـ آدم فان ينابيع اللذة تتفجر في كل مكان 0 على أن كل هذا لا يلغي بعد شخصية الراوي من ناحية الخلفيات والتكّون ، لكنه يقصيه إلى الوراء ، ويدفع إلى الأمام بشبقيّته ؛ فالنهم بالجسد وتفاصيله يستأثر بالعناية الأساسية 0 وبما أن حكاية امرأة القارورة تتجلّى عبر منظوره ، وتتدفّق من خلال رؤيته، فإن ذلك الراوي يُشغل أولا بنفسه قبل أن تمر من خلاله تلك الحكاية ، وفي كل مرة يعيد ترتيب وضعيته بما يجعل حضوره باهرا ومشعاً وأخّاذا ، فيعلن عن نفسه في مطالع الفصول الأربعة التي يتكّون منها النص ، مستخدماً صيغة المخاطبة مع مروي له يُدغم بالمتلقي / القارئ 0

إن الأمر الذي يستثير الملاحظة ، هو: فضول الراوي في الإعلان المتواصل عن نفسه 0 فهو يؤكد ، أنه البوابة الوحيدة التي من خلالها يمكن المرور إلى حكاية امرأة القارورة 0 ومن هذهِ الناحية فان سرده يتضمن كثافة هائلة تجعله حاضراً بطريقة لافتة للنظر في كل ثنايا النص 0 ومن الجدير بالذكر هنا أن سعيه في ألاّ يكون مجرد وسيط تعبر عليه الحكاية ، جعله في الصفحتين الأخيرتين يندمج تماماً في عالم الحكاية ، فاستبدل بصيغة الإفراد التي كان يستعملها طوال الرواية، صيغة الجمع ، وبوساطة ضمير الجمع للمتكلمين ختم الرواية في مشهد معبّر عن نجاحه في أن يكون عنصراً من الصعب الاستغناء عنه إلى جانب هاجر و آدم في حكاية امرأة القارورة0 والجنين الذي تحمله في الأصل مارلين ، لا ينفلت من رحمها ، إنما -كما يقول الراوي- ينبجس من دوامتنا ويطفو مع قارورته فوق الماء ويزحف على الشاطئ باتجاه حقول وبساتين وينابيع نيران أزلية .وبإزالة الحجب السردية الكثيفة التي تلفّ حكاية امرأة القارورة ، قصدتُ بذلك مستويات السرد التي تمثلها منظورات الراوي الأول والثاني ، تتجلّى الحكاية الباهرة المشعّة: حكاية التحولات المستمرة ، والعلاقات الغريبة، وتحديداً حكاية هاجر رمز الترحال والهجرة الأبدية ، والأسطورة الأنثوية العائمة فوق التواريخ والأوطان ، والحلم الذي يسعى كل الذكور إلى نيله0 ومع أن السرد يبدأ يُفصح عن الحكاية ، وتخفّ كثافته ، وتشتدّ شفافيته ، إلاّ أن صوت هاجر مازال يمر خلل وسيط سردي ثالث ، إنه يتدخل ويعيد صياغة ما ينبغي أن يكون صوت هاجر المباشر ، ويستبدل الضمائر ، ويغيّر الصيغ ، ويلخّص حيناً ، ويسترسل حيناً آخر ، ويحفر وينقّب ويعلّل ويصف ويؤوّل لكنه لا يحجب ولا يستبعد أحدا،وهو في الوقت الذي لا يختفي فيه تماما،فانه يتوارى ويتقشّف في الإعلان عن نفسه بطريقة ملفتة للنظر0 إنه ضمير ماكر لعوب، يجيد لعبته الذكورية ، فيعيد إنتاج حكاية امرأة القارورة طبقا لتصوراته الثقافية والجنسية كذكر خاضعا لفكرة التنميط الثقافي لذكورته ومسقطا التنميط ذاته عليها كأنثى، دون أن يأخذه الفضول في الإعلان عن نواياه الحقيقية 0 وستقترن الحكاية بهذا المستوى من السرد إلى النهاية ، لأنها عبارة عن التشكيل الخطابي الذي يكوّنه صوتان متداخلان: صوت هاجر وصوت ذلك الضمير الغائب المجهول الذي من خلاله يمر إلينا صوتها.فكل أنثى بحاجة إلى وسيط ضمن ثقافة مشبعة بقيم الذكورة! ! !0

 

تندرج حكاية امرأة القارورة في نظام دائم التحوّل ، وبذرة التحوّل التي توجّه كل شيء ، وتكون سبباً له ، هي هاجر المتحوّلة من كائن فانٍ ، إلى كائن خالد ، ثم إلى كائن فانٍ مرة أخرى 0 وهذا التحوّل المركزي ستمتد آثاره إلى فضاء الأحداث والشخصيات وإلى السرد نفسه، وعلى هذا فان نظام العلاقات المتحوّل هو أشدّ ما يثير الاهتمام في النص ،إذ ليس ثمة وضعيات ثابتة ، بل هنالك صيرورة دائمة ، وهو الذي يغلّب البحث في العلاقات على البحث في الوضعيات 0 والحقيقة فانه بسبب نظام التحولات الذي يهيمن في رواية امرأة القارورة ينتهي كل شيء إلى غير ما بدأ به ، حتى الوضعيات الابتدائية التي يمهّد لها السرد ، سرعان ما تلتحق بنظام التحولات الشامل في النص 0 فالرواة و آدم ومن ثم الأفعال والفضاءات ، تستجيب لمبدأ التحوّل في شخصية هاجر التي كانت سلسلة متواصلة الحلقات من التحوّل المستمر ؛ من كونها امرأة عاشت في أور بعد الطوفان ، إلى حبها الجارف للشاب تموزي ثم زواجها منه ، والإغراء بالخلود لتكون حبيبة وعشيقة دائمة ، وانتهاءً بفك طلسم الخلود عنها بعد خمسة آلاف سنة 0 وخلال ذلك تتجلى من خلال أصنام أنانا ـ عشتار ، فتثير الغيرة في نفس كيجال آلهة العالم السفلي ،وبمقتل تموزي يغتصبها ملك غريب ، يتضح إنه ابنها ، واعتباراً من هذه المرحلة تصبح هاجر أمّا وعشيقة مستباحة لمائة وخمسين من الأبناء والأحفاد الذين يتوالون عليها في نهمٍ شبقي هو ومزيج من العشق والاغتصاب 0 وحين تنتهي إلى الحفيد الأخير آدم تتدخّل جملة ظروف تفضي إلى إزالة الخلود عنها،والعيش بوصفها امرأة معرّضة للفناء شأنها في ذلك شأن جميع البشر 0 وفيما يقوم بتخليدها شيخ بسيماء نبي ، يقوم شبيه له ـ ربما نفسه ـ بتخلصها من الخلود 0 وبين هاتين اللحظتين يفترع عذريتها المتجددة رجال تناسلوا منها : طغاة، ورسل ، وأدعياء ، وسحرة ، وملوك ، وأنبياء ، ومطاردون ، وضحايا 0 في مقدمتهم تموزي ، وبينهم إبراهيم وموسى وفرعون وخاتمهم آدم 0وكل هذا يحُدث تحولاً في جملة العناصر الفنية المكوّنة للنص ، فالشخصيات تغيّر انتماءاتها فتهجر بلادها وتلجأ إلى بلاد أخرى ، وذلك يؤدي إلى تغيير كامل في الفضاءات السردية ، وتغيير كامل في نسق الأفكار التي ترددها الشخصيات بحسب الفضاءات التي تظهر فيها . إن السرد ذاته يتحوّل من كونه سرداً مغرقاً في كثافتهِ إلى سرد أقل كثافة ، ثم أخيراً إلى سرد هو مزيج من الكثافة والشفافية . وفي التفاته معبّرة عن نظام التحول الدائم يقفل النص سرديا بمشهد هو ذروة التحولات ، وبه ينفتح أفق آخر للتحولات الدلالية 0 ففيما يرجّح أن هاجر قد اقتيدت أسيرة ورهينة إلى البلاد التي ولدت فيها، يُحدث فناؤها تحولاً في مصائر الشخصيات الأخرى : الراوي ، و آدم ، و مارلين 0 فالسائل الذي عبّأه الشـيخ من سيناء في القارورة وحلّ محل هاجر مُزج بالنبيذ الأحمر ، وبالارتواء منه فاض الخلود على تلك الشخصيات 0 وفيما كانوا فانين و هاجر خالدة ، أصبحوا خالدين وهي فانية ، وفيما أفلحوا في تحقيق حلم الحرية الدائم كُبّلتْ هي بقيود البلاد التي ظهرت فيها . فتقاطعت المصائر في نوع من التحوّل الدائـم 0

ينتهي النص حينما يكف السرد عن تجهيز المتلقي بمصائر أخرى للشخصيات ،وتنتهي الرواية ككتاب ، لكن التفكير في أمر صوغ الأحداث وتحولاتها الدائمة لاينتهي ، فكل نص يفجّر مشكلة لدى المتلقّي 0 وقد يكون النص الروائي نفسه اطاراً مناسبا للحديث عن تقنيات السرد وطرائق تركيب المادة التخيلية ، كما سيتكشّف لنا ذلك في الفقرة الآتية0

ــــــــــــــــــــــ

15.سليم مطر كامل، امرأة القارورة ( لندن، دار رياض الريس للكتب والنشر،د.ت)

16.م.ن.ص 8-9

17.م.ن.ص7