الروائي سليم مطر: طفولتي
قادتني إلى الرواية
جريدة الصباح العراقية 4 تموز 2005
حوار: إبراهيم طاهر :
سليم مطر روائي وكاتب عراقي ظهر اسمه في عالم الادب
والثقافة خلال العقد الماضي فقط، لكنه اثار الكثير من الاعجاب والكثير من
السجالات، الاعجاب يعود الى روايته الاولى ” إمرأة القارورة“ التي فازت بجائزة
الناقد للعام 1990 والسجالات اثارها كتابه”الذات الجريحة “ الذي يناقش فيه مسألة
الهوية الوطنية. في العام الماضي صدرت له رواية ثانية بعنوان”التوأم المفقود “
ولديه مشروع نقدي جديد ورواية عن الديكتاتور”مخطوطتان “ وهو مساهم نشط في
المناقشات والحوارات التي تتناول القضية الوطنية العراقية من الزاوية الثقافية.في
هذا الحوار مع سليم مطر نستعيد تلك السجالات المتعلقة بموضوع الهوية واعماله
الروائية ومشاريعه القادمة.
· من المفترض ان تكون”أمرأة القارورة “ مفتتح
حوارنا، باعتبارها منجزك الاول روائيا، لكن كتابك النقدي”الذات الجريحة “ بما
أحتوى من تجارب ومعاناة واستلاب، وما أثار من مناقشات... الخ، أثارفضولنا للوقوف
على مرحلة تشكل الجرح او”مرحلة ماقبل الكتابة “؟.
** مع تقدم العمر فان الانسان يستعيد الكثير من ماضيه الطفولي، ومن ثم يمكنه
من أستيعابه بشكل آخر، ومن هنا فأن عودتي للتراث الوطني العراقي هي ايضا استعادة
لطفولتي، بما فيها من هموم وتراكمات وعقد، فأتذكر، كواحدة من معاناتي، ما يمكن
تسميته بـ”الاحتقان الذاتي “ كوني من عائلة فقيرة.. جنوبية.. شيعية.. والثقافة
الجنوبية علمتنا ان تكون مفردة”الشركاوي “ مفردة مهينة، فكنا نخجل من فقرنا
ودشاديشنا وشركاويتنا.. الخ، وللطرافة أسترجع الان ايضا أختي الكبيرة ودورها
بقيادة التمرد الاول، حين فرضت علينا مفردة ماما وبابا بدلا عن”بويه “ و”يَمه “،
وطلبت ايضا ان نرتدي البيجاما بدل الدشداشة، وهكذا فان العودة ليست فقط للتراث
الوطني بمعناه السياسي والوطني بل لتراثي الشخصي، معاناتي الشخصية، فقد كانت لنا
مشاكل مع مفردات الحياة الاخرى مثل الغناء، فكنا نصرَ على ضرورة سماع الغناء
الغربي او موسيقى بتهوفن، وعلى الاقل لابد من سماع الغناء المصري، اما العراقي فقد
كنا”نستنكف “ عنه، ونستخف به وهكذا اعتدنااحتقارنا لوطنيتنا باسم الأممية بل حتى
باسم القومية. فأكتشافي لمعاناتي الطفولية هو جزء من هذه المشكلة الوطنية”الهوية “
وبالتالي فان مشكلة”الهوية “ ليست هي دواء سياسي فحسب وانما حتى دواء شخصي للانسان
العراقي.. وهذه دعوة ضمنية، اذ باحترامك لنفسك ولثقافتك وواقعك وتراثك ستخفف كثيرا
من معاناة مشكلة الهوية. ولابد من الاشارة هنا الى ان العراقي لايعاني فقط من
الدكتاتورية بل من ديكتاتوريته ازاء واقعه.. انه دائم المحاولة للانسلاخ من واقعه،
فهو يعيش حالة شيزوفرينيا، اما نقدنا السياسي الذي تعلمناه من خلال نقد طبقي ، نقد
الواقع، فهو في الحقيقة يخفي كثيرا من حالة استنكاف ثقافتنا التي كنا نغطيها
بعبارات ماركسية!! فنقد التخلف عندنا هو، في الحقيقة، ليس سوى محاولة للادعاء
باننا متطورون، هو ليس نقداً طبقياً بمعناه الحقيقي، بقدر ما هو اخفاء ازمة نفسية
لمحاولة اظهار عكسها.
*”الذات الجريحة“ بما يحتويه من تحليل ونقد وطروحات، هو محصلة تجربة شخصية
تداخلت فيها الظروف ”السياسية - الاجتماعية - الاقتصادية“ برأيك هل ان هذه التجربة
توازي ما جاء في الكتاب من طروحات؟ بمعنى اخر هل ان هذه التجربة بثقل هذه
الطروحات؟
** أكيد، وبصراحة فان التجربة ليست في الزمنية المحددة في اوروبا، بل لها جذور
اقدم فحينما خرجنا من العراق، وبحكم تربيتنا الماركسية، كان عندنا ايمان بالأممية
اضافة الى الفكر القومي المهيمن، هذا الايمان الذي اشرت له في ”امرأة القارورة “
تجسد بهيئة حلم، حلم الدولة الموحدة..
بالضبط فكرة العولمة، وكما تعرف ”فالعولمة ليست
بالجديدة وربما الان اخذت طابعها الواضح لكنها موجودة منذ بدايات القرن العشرين
كثقافة، خاصة من خلال الافكار الاشتراكية والليبرالية“ ففكرة الدولة الموحدة
والثقافة الموحدة والفكر الطبقي هو فكر عولمي او أممي بمعنى ان العامل العراقي مع
الصيني او مع الروسي، يتكونان من الاساس نفسه، الاثنان مضطهدان، الاثنان يتعاملان
مع الآلة... اما الثقافة والتراث والغناء والاكل والشرب.. فأشياء ثانوية جدا،
وحينما خرجت الى اوروبا كنت مسلحا بمعتقد مفاده ان الاوروبيين بلغوا قمة الأممية
وقمة العولمة في ثقافتهم، وهم لايمتلكون اية خصوصية، فما هو
موجود هو علوم وآلات وتقنيات... اما الخصوصيات والمشاعر فالاوروبي متخطيها جميعها،
لكني خلال معايشتي لهم لم ألتمس هذا كله.. لقد وجدت هناك الخصوصيات الانسانية بكل
تفاصيلها.. ليس خصوصية البلد فقط بل كل حارة ومدينة لها خصوصياتها.. وكل قرية لها
كتبها ومتحفها وتراثها الذي تعتز به وكذلك لهجتها واشياؤها الاخرى، والثقافة
الدينية موجودة.. فمن الطبيعي ان تجد انساناً ماركسياً يذهب كل يوم احد مع عائلته
الى الكنيسة.. خذ سويسرا مثلاً عندهم ”12“ يوما هي عطل تتعلق بالسيد المسيح، كنت
أندهش وأستغرب في البداية عندما اتحدث مع اوروبي واطرق على مسامعه اسم سارتر..
فأكتشف بانه لايعرفه.. وكنا نتباهى ونحاول ان نتشدق امام الاوروبي بمعلوماتنا حول
الماركسية، ونسمعه موسيقى حداثية مثل مقاطع بليغ حمدي التي يستخدم فيها الكيتار
الكهربائي، لكن الاوروبي كان يستخف بنا، لأنه كان يريد ان يسمع رسائلنا، خصوصية
ثقافتنا، فكان يندهش من ذلك وكان يحب ”المحمداوي“ و”مقتل الحسين“ و.. و.. الخ من اشيائنا الخاصة، جميع
هذه الامور أدهشتني، فوجدت خصوصيتي وتراثي وثقافتي من خلال وجودي في اوروبا، لانها
كانت تقدم لي خصوصيتها ولاتقدم لي عولمتها، فبقدر ما كان انمساخنا وعولمتنا
وأمميتنا آتية بتأثير اوروبي فالعودة للخصوصية والتراث هي ايضا”مع الاسف “ بتأثير
اوروبي، وهذا شيء محزن لكنه مفيد، و”امرأة القاروة “ اعتبرها البدايات الاولى لهذه
العودة، عودة تاريخية وسريعة وعميقة ومليئة بالعواطف وكانت ايضا عودة اندهاشية
وفيها نوع من المتعة، لكن”الذات الجريحة “ بدأت مع حرب الخليج وبداياتها الاولى..
هذه الضربة القاصمة كانت بالنسبة لي نهاية كل احلام الأممية والعولمة، واكتشفت ان
العالم مصالح وليس فقط خصوصيات، صحيح نحن لانرجع لفكرة صراع الحضارات...
لكن صراع المناطق موجود.. يعني فكرة اننا عرب لنا خصوصيتنا التاريخية والدينية
المواجهة للغرب لابد ان تكون موجودة.
وهذه حقيقة.. ووجود اسرائيل قاعدة لتهديم المنطقة بدأت
التمسها وأؤمن بها بشكل واقعي وحقيقي وليس بشكل نظري.. فجميع هذه الامور بتفرعاتها
الاخرى لابد ان تشكل ثقلا واضحا بثقل الطروحات التي تسألني عنها ”والذات الجريحة“
يشكل العودة الكاملة ”السياسية والوطنية“ بكل تفاصيلها.
*وهل كانت هذه الصحوة عصية على الاكتشاف طالما انت في الوطن؟
** بصراحة.. ان معيشتي في اوروبا جعلتني أعي ماضيي وسنواتي البعيدة والطويلة
التي عشتها في العراق، وللأسف فان الثقافة السياسية العربية بشكل عام والعراقية
بشكل خاص يغيب فيها البعد النفسي، دائما نعتمد الرطانة في التحليل الفلسفي
والتحليل السياسي التجريدي، اما التحليل الانساني النفسي لمعاناة الفرد كفرد فهذا
مغيب تماما. لقد كنا ضائعين بالدوغمائية.. وهي ليست حالة فردية، والافكار الجديدة
مهما كان للفرد دور فيها او في ابتداعها فهي جزء من موجة.. جزء من حاجة كبرى تعبر
عن نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة.. وهكذا فانا أعد نفسي جزءاً من موجة بكاملها
يشاركني فيها العديد من العراقيين والعرب.. لقد قدمنا كل ما يمكن للحداثة
والتكنولوجيا والأيدلوجيات لكننا لم نحصل على شيء.. غير الحروب والدمار والقنابل
والدكتاتوريات.
* المحددات التي وضعتها في”الذات الجريحة “ لأجل بناء هوية وطنية حقيقية
تلامس روح وتراث ونتاج الحضارة العراقية، من خلال العودة لانجازات حضارة سومر، هل
ستتفق معي بأن ما أردت قوله هو: ان كل المشاريع الحضارية التي تلتها بعيدا عن
الحاضنة الاولى، هي مشاريع غريبة عن الجسد العراقي.. وبالتالي فليس هناك من شيء
يستحق الوقوف عنده والأخذ به؟
** للأسف هناك سوء فهم لما طرحته في كتابي الذات الجريحة، فليس هناك شرط بأن
المتناقضات تلغي بعضها. بالعكس ممكن ان تكمل بعضها ودعوتي ليس عودة للحضارة
السومرية التي لا اطلق عليها هذا الاسم، فهذه المرحلة من التاريخ القديم للعراق
وحتى سقوط بابل اقترح لها مثلاً اسم”المرحلة المسمارية“وهي التي تجمع مثلاً سومر
وبابل وآشور وكل الوجود العراقي السابق، المرحلة التي أعقبتها هي المرحلة المسيحية
التي دامت للقرن السادس او السابع وأعقبتها بعد ذلك المرحلة الاسلامية.وكل ما اريد
قوله ودائماً ما اردده بأنني لست ضد المرحلة العربية الاسلامية انما بالعكس فانا من أشد
المدافعين عنها، وعن انتمائنا لها، وامتزاجنا بها، وكتابي هو دفاع عن الحضارة
العربية الاسلامية وليس نقداً لها.
* ضمنياً، أنت تتهم ”المستشرقين“ بتزوير الحقائق والتاريخ وبالانتقائية،
بمعنى انك ضد”الاستشراق ؟“
** الابداع الفردي، مهما كانت نوايا صاحبه، خصوصاً في نتاجه الثقافي يبقى جزءاً
من مرحلة بكاملها، وهذا ليس طرحي بل هو طرح البنيوية، فحين تأخذ اي فنان واي مبدع
ومهما كانت خصوصيته ستجده يعبر من دون”وعي“ عن مرحلته، فأي فنان من المرحلة
الفكتورية مثلاً سيقول بأن منجزه خاص به، لكنه في النهاية وباللاوعي شكّل هذه
المرحلة”الفكتورية“ التي هي جزء من عصر وتأثير وكيان وبيئة وحاجات واقتصاد وصناعة،
وبالتالي فالانسان ابن عصره ومجتمعه مهما كان ابداعه الثقافي فما سنيون مثلاً وبما
يحمله من صدق في حبه للعراق وللثقافة العربية الاسلامية كفرد يبقى هو ابن بنية
عامة اسمها الثقافة الفرنسية وليدة القرن 19 والثقافة الاوروبية بكل كيانها
وعقليتها ورؤاها ازاء الشرقي”المتخلف.. الف ليلة وليلة.. البكاء..
الدم..الحروب..الخ “ لهذا من الضرروري ان نتعامل مع الاستشراق ليس من موقع انساني
عاطفي، كي لا نخسر الحقيقة، فزوجتي مستشرقة سويسرية وتحمل الدكتوراه
عن”الزير سالم “ وهذا خطابي لها، اعلم انها اختارت”الزير سالم “ بعاطفة وصدق وهي
تعشق الثقافة العربية الاسلامية، لكن مع هذا فان اختيار”الزير سالم“ جزء من الحلم
الاوروبي بأننا بدو ومجرد محاربين ، فمهما كانت النوايا والصدق يبقى الانسان ابن عصره
ومرحلته.
في فرنسا يصدر هناك”وهذا جزء من موضوع الهوية“ كل مدة
كتاب ضخم عن الحضارة الفرعونية بالذات، فهم يعبدونها، اضافة للكتب الصادرة عنها
هناك الافلام الكثيرة التي تعرضها المحطات الاوروبية، لكن اسأل اي اوروبي سواءاً
كان المثقف منهم أم الانسان البسيط
عن المصريين الحاليين فسرعان ما يأتيك الرد ان هؤلاء ليس لهم أدنى علاقة بالفراعنة
كونهم ”عرباً، مسلمين، بدواً، ارهابيين، فدائيين، حشيشة..الخ“ فهم لا يتحملون فكرة
ان المصريين الحاليين هم سليلو الحضارات السابقة سواء الفرعرونية او البابلية او
الكنعانية.. الخ.
* وهل هذا يؤكد ايمان البعض منهم بالصراع الحضاري. وبالتالي محاولتهم تهميش
والغاء حضارتنا بدوافع يمكن تحديدها بـ”عقدة النقص“ او”عقدة الحضارة “؟
** قل للاوروبي اي شيء ولا تقل له ان المسيحية”مثلاً“ آتية من عندنا، لا يتحمل
ذلك ابداً، يفضل ان
يقول لك ان المسيحية يهودية واليهود هم بالتالي جزء من
حضارته، مستحيل ان يسمع منك ان أجدادك فراعنة او بابليون او كنعانيون..و. سرعان ما
يرد عليك ان هؤلاء انقرضوا، وهكذا أقنعونا بفكرة انقراض الشعوب السابقة، اقنعونا
ليس حباً بنا بأننا من طي وتميم وسجع الكهان، فقط، بل كي يرضون نزعتهم بان ليس لنا
صلة بتلك الحضارات بما فيها الحضارة العربية الاسلامية، والتي أرادوا ايضا ان
يفرضوا علينا فكرة ان صناعها هم الآريون الفرس وكذلك الاغريق والهنود، وبالتالي
هذه تتناغم مع اللاشعور الاوروبي بانه آري من ثم هو الذي صنع الحضارة الاسلامية،
انظر العمق الاستشراقي فالاستشراق مهما كانت نواياه طيبة لكنه اراد ان يبني لنا
هذه الافكار التي بواسطتها اراد ان يفصلنا عن تاريخنا الحقيقي المشرق السابق، وهذه
النقطة، التهمة الاساسية التي أوجهها للاستشراق، ثم هناك فكرة قديمة يحملها
الاوروبي وهي مسألة المنافسة، وهي موجودة عميقا في الوعي الاوروبي من ايام الرومان
والفينيقيين حتى هانيبعل والصليبيين.. الخ.
*”امرأة القارورة“ و”التوأم المفقود“ روايتان كان لتجربتك الشخصية حضور فاعل
في إغنائهما، لو لم توظف هذه التجربة فيهما، هل ستحقق المستوى نفسه الذي ظهرت به،
ام انك ستفقد سعة الخيال ومساحة الرؤيا اللتين اعتمدت عليهما في روايتيك؟
**ماتقوله هو الصحيح، واعتقد ان كل روائي او رسام او موسيقي.. الخ لايمكن ان
يتخلص من معاناته وتجربته الشخصية، فمثلا فلوبيرفي كتابه”مدام بوفاري “ ليس فيه
تجربة شخصية كونه ليس مدام بوفاري، لكن المحللين والنقاد جميعهم يتفقون بان مدام
بوفاري نفسها فلوبير، لكن كامرأة وليس كرجل، وحتى الذي ابدع سوبرمان هو أكيد يعبر
لاشعورياً عن الذي طرحه..
ولا اعتقد بأن هذا اختيار واع أو ارادي،
وذلك لظروف نفسية خاصة، وبصراحة فيما يخصني لا يمكن لي ان اكتب مادة ليست فيها
تجربتي الشخصية نتيجة لظروفي وخليقتي..
وفي اماكن اخرى ممكن ان تلاحظ بعض الكتاب العراقيين
يكونون بمستوى عال من الابداع حين يكتبون عن تجربتهم الشخصية، لكن ما ان يقرر ان
يكتب شيئاً اكثر بعداً عن تجربته الشخصية لحظتها سيدخل بالتصنع، وهكذا انا فتجربتي
الشخصية لا يمكن ان اتخلى عنها.
* في مثل هذه الحالة، ان فكرت بكتابة رواية جديدة فهل ستكون مكتظة برموز
وشخصيات واحداث تاريخية مع اسقاط تجربتك الشخصية عليها؟
** عندي مشروع جديد عن الدكتاتور، والكثير من معاناتي الشخصية سأستمدها” مع
الاسف “ من شخصية الدكتاتور.. طفولتي ربما قادتني الى ان اكون روائياً، في حين طفولته
قادته لأن يكون دكتاتوراً، الطفولة مشتركة لكن المسار مختلف. القسوة التي تعرض لها
البعض في طفولتهم حولتهم الى رقيقي القلب، فحاولوا تعويض القسوة من خلال الرقة،
وذلك بإبعاد الاخرين عن القسوة ومصادرها، في حين ان شخصاً اخر عانى الشيء نفسه،
لكنه بالعكس فرغها الضعفاء وتلبس دور الطاغية. ففي اصداري القادم سأستمد من تجربتي
الشخصية للتحدث عن شخص نقيض.
* هناك من يخنقهم المنفى ويبعدهم عن تواصلهم الثقافي، في حين لم نجد هذا عند
سليم مطر، بل كان له دور مغاير.
** هذا صحيح، وخصوصاً المنتج الثقافي، ففي مجتمع غير ناطق بلغتك وغير قريب
لثقافتك يمكنك النجاح تقريباً بوصفك تقنياًاو طبيباً اومهندساً، فيتم استيعابك لأن
هناك فائدة انتاجية منك، لكن كمنتج ثقافي ستعاني من صراع كبير يومي. الكثيرون لا
يصمدون امامه، فأما ينسى تماماً او سيكون منتجاً روتينياً لأجل المعيشة فقط،
فالمنفى لا يسمح لك بالقراءة بسهولة، ولا يسمح لك بالحوار والنقاش، وقسوة الحياة
اليومية لا تولد الرغبة بالقراءة، الكثيرون حين وصولهم الى اوروبا ومعهم كتبهم
شاركوا في الكثير من الحوارات والنقاشات، لكن بمرور الزمن قلت هذه النشاطات واصبح
مصير الكتب السرداب حتى وصل مصير البعض الى أن الصحيفة الغربية او”العربية“ غير
موجودة في بيته، واصبح التلفاز هو المصدر الوحيد للثقافة عندهم. اما القلة الصامدة
فأصبحت عرضة للتهكم والأذى والمحاربة من قبل الاغلبية غير الصامدة لأنهم يذكرونهم
بتقصيرهم، وهذه مشكلة تضاف الى محاربة المجتمع الغربي لك، لذا تضطر في بعض الاحيان
ان تتخلى عن مجموعتك وتبحث عن مجموعة اخرى تتقبلك اكثر.
* وهل من طموحات جديدة في مجال اهتمامك؟
** حلمي وطموحي الذي اسعى اليه بكل جدية هو ان اكوّن مركز بحوث عراقي، لأن
عندي مشاريع عديدة، وأدعو الاحزاب والتنظيمات العراقية التي تصرف الآلاف هنا وهناك
بأن تدعم مجموعة من الباحثين العراقيين ليكتبوا عن تاريخ العراق، فنحن من الدول
النادرة والوحيدة التي لا تمتلك كتاباً يجمع تاريخها، هناك محاولة صدامية قبل
انهيار نظامه الدكتاتوري لكنها مشوّهة وطائفية.
ومن مشاريعي القادمة كتابة موجز تاريخ العراق من منطلق
وطني عراقي، وفي هذا الخصوص لابد من ذكر المشاريع الرائعة والجهد الكبير الذي يقوم
به الكاتب العراقي خزعل الماجدي.
* غير الاهتمام بالهوية وبالتراث الحقيقي، ماذا ينقص الساحة الثقافية
العربية، والعراقية بشكل خاص؟
** تنقصها التراجم الحديثة، فهي غير متقدمة بنسبة 1% من التراجم السابقة، وهي
تراجم مكررة وعلمية، في حين ان السائد الان الكتب الروحانية.. الديانات..
وكتب عن تأثير الغيبيات، التي يضعونها هنا في خانة
الدجل، وهناك ايضاً كتب عن التيار البيئوي.