عقيدة الضمير العراقي.. فكر جديد لإنسان جديد..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سليم مطر ـ جنيف 2006
إن الأمم مثل البشر، تولد وتموت وتحيا من جديد، وأمتنا
العراقية قد عاشت ميلاداً مشوهاً منذ حوالي القرن على يد قابلة إنكليزية مدججة
بأسلحة جبارة وحضارة كاسحة. لقد ولدت أمتنا من جديد في مطلع القرن العشرين بعد
انقبار دام قروناً منذ سقوط بغداد العباسية وتلاشي آخر حضارة عراقية عظيمة. لكن يا
للخيبة، كانت النخب العراقية (السياسية والدينية والثقافية) التي نشأت بعد ذلك
الميلاد، ضعيفة معاقة مشوهة غير مؤهلة للقيام بدورها الوطني الحضاري المطلوب. ليس
فقط لتبعيتها للفاتحين الجدد، بل خصوصا لتبعيتها الروحية والثقافية للعديد من
القوى الخارجية، عربية وإسلامية وعالمية. طبعا لا ننكر أنه كانت هنالك دائما ثمة
أقلية من الداعين للمشروع الوطني الأصيل، لكن اتجاه التبعية للخارج كان دائما هو
الأقوى. لهذا فإن جميع مشاريعنا الثقافية والسياسية والدينية ظلت حبيسة لتلك
التبعية الخارجية. منذ أكثر من قرن، والنخب العراقية تعاني من عجزها عن الانتماء
الحقيقي للواقع العراقي، بسبب فقدانها لأهم شرط إنساني لأية نخبة وطنية: (الثقة
بالذات الشخصية والوطنية). نعم إن فقدان الثقة بذواتنا الشخصية وبتاريخنا
وخصوصياتنا وميراثنا ولغاتنا وأدياننا ومذاهبنا وثقافتنا وأرضنا وحدودنا، منعنا من
التمعن الحقيقي في واقعنا والتفاعل معه ودراسته لاستنباط المشاريع والبرامج
الوطنية القادرة على رعاية أمتنا الوليدة وتنشئتها بالصورة الإنسانية التي تليق
بها. طيلة قرن وبكل مراهقة وطيش، خاضت نخبنا الصراعات والانتفاضات والانقلابات والحروب
الداخلية والخارجية، ليس من أجل الوطن، بل من أجل الدفاع عن مشاريع خارجية،
ليبرالية وقومية وأممية ودينية. لقد استمر الجنون المأساوي المعقلن ينحدر بنا نحو
الجحيم حتى بلغت أمتنا ذروة انحطاطها، بهيمنة تلك الطغمة الصدامية، من الرعاع، على
دولتنا ومقدراتنا: حروب ومجازر وحصارات ومجاعات. وكانت سنوات التسعينات سنوات
انتحار بطيء واحتضار صامت، وقد أتى الأمريكيون بجيوشهم الجرارة، ليطلقوا طلقة
الرحمة على أمتنا الجريحة المعاقة المعذبة.
نعم إنهم ساعدونا على الموت، لكنهم أبدا لن يساعدونا
على الميلاد، وإذا تركنا الأمر لهم وحدهم فسوف تولد أمتنا مرة أخرى معاقة مشوهة،
وستموت هذه المرة أسرع من قبل. لهذا علينا، نحن أبناء هذه الأمة الوليدة، أن لا
نكرر خطيئة أسلافنا، ولنعلن عزمنا الجبار على امتلاك الثقة بأنفسنا وبشعبنا. أن نصر بلا تردد على
الارتباط الضميري بواقعنا الشخصي والوطني، ونستنبط منه المشاريع الحقيقية القادرة
على تخليصنا من دوامة الإعاقة والتشوه والموت الرابض.
العقيدة الضميرية
إننا نؤكد على أن (عقيدة الضمير) (ليست عقيدة دينية)
أبدا ولا تبتغي التناقض مع الإيمان الديني، بل نحن نحترم بكل صدق جميع الأديان
والمذاهب، وندعو المؤمنين الى التمسك بإيمانهم، مع التحلي بروح التسامح والمحبة،
أي قبول مبدأ التعددية في الحياة والعقل وتجنب الرؤية التبسيطية التكفيرية المتعصبة.
انها رؤية إنسانية منفتحة وواسعة يمكن أن تتقبل وتتعامل
مع مختلف المعتقدات السياسية والثقافية والدينية. نحن اتجاه ثقافي اجتماعي سياسي
مفتوح للأشخاص وللمجموعات والمنظمات التي تشاركنا عقيدتنا. اننا نهتم بالثقافة
والمجتمع أولا ثم بالسياسة، لأن غايتنا الأولى هي الإنسان العراقي، ضميره وعقله،
وليست الدولة. فنحن نؤمن بأن الدولة، أية دولة، مهما كانت منعزلة ومعادية
لمجتمعها، فأنها تمثل قمة الهرم الاجتماعي، وهذه القمة ما هي إلا نتاج للمجتمع
الذي تستند إليه، أي نتاج العقلية السائدة. وهذا يعني أن تغيير العقلية (الثقافية
والنفسية) هو الذي يقود إلى تغيير الدولة. لهذا السبب نحن نركز على النشاطات
الثقافية من إصدارات كتب ومجلات ومختلف النشريات، كذلك الحلقات الدراسية والدورات
التعليمية، بالإضافة إلى النشاطات الاجتماعية من نقابات ومنتديات وجمعيات. نحن
نجهد للتنسيق مع جميع الخيرين من أبناء الوطن لنشر مبادئ الضمير، ونحاول كذلك دعم
جميع الأطراف الدينية والثقافية والسياسية والحكومية في بلادنا التي تتبنى برامج
وأفكاراً وطنية تلتقي مع مبادئنا وغاياتنا..
إن عقيدتنا الثقافية الاجتماعية هذه، جديدة وقديمة،
بنفس الوقت. جديدة لأنها تبتغي خلق إنسان عراقي جديد. وهي قديمة، لأنها عقيدة
أصيلة تستمد عنفوانها من جذور ميراثنا الروحي العراقي والشرقي والإنساني. لهذا فإن
هذه العقيدة، رغم عراقيتها، إلا إنها إنسانية شمولية تتوجه لكل البشر في أنحاء
المعمورة، مع الأخذ بنظر الاعتبار ظروف كل شعب وخصوصيته.
إن أصالة عقيدتنا تكمن في تحررها من العقائد الغربية
الجاهزة، التي تعتبر (المجتعات الغربية) هي المقياس المطلق لباقي شعوب الأرض. لكن
هذه الأصالة لا تعني أبدا الانطواء على الذات وتناسي القواسم المشتركة بين البشر
مهما اختلفت أوطانهم وألسنتهم وأديانهم وثقافاتهم. ولكي ننظر إلى الوضع العراقي ونصوغ المبادئ
الخاصة به، علينا أولا أن نصوغ مبادئ كونية إنسانية شمولية تستمد عنفوانها من
تجارب الشعوب ومواريثها المشتركة.
إن عقيدتنا ترفض الجمود، بل هي مفتوحة لكل الطاقات
الإبداعية من أجل تعديلها وتطبيعها مع متغيرات الحياة. فلا تتردد أخي العراقي
وأختي العراقية، بالاشتغال عليها من أجل تطويرها وتحسينها. ما دام الضمير هو
الدافع، فيقينا إن النتائج سوف تكون خيرة. لهذا فإننا نخاطب جميع إخوتنا العراقيين
والعراقيات، في كل مكان من أرض الوطن وفي المهاجر:
لماذا الضمير؟!
إن مفهوم (الضمير) يتكون بالنسبة لنا من ثلاث طاقات:
(طاقة المحبة) و(طاقة العقل) و(طاقة الإرادة). إن المحبة الكامنة في القلب تكون
أشبه بالمنظار الذي نشاهد عبره أوضاعنا الشخصية والوطنية والكونية. لكن هذه المحبة
وحدها لن تكفي من دون العقل. فهو، بعد القلب، يسمح لنا بأن ندرس ما نشاهده لصياغة افضل
الاساليب للتعامل مع الحياة. أما (إرادة الخير) النابعة من أعماق النفس، فهي التي
تمنح الضمير حيويته وقدرته على العطاء. نحن ضد الطروحات الحداثية السائدة التي
تقدس (العقل) وحده وتحتقر (القلب) والمشاعر، وتطالب الإنسان بأن يكون أشبه بالآلة
الحاسبة تلهث وراء المصالح وزيادة الإنتاج على حساب الروح والمشاعر. إن (الضمير)
يعني بالنسبة لنا، هو الجمع العقلاني بين (طاقة المحبة) و(طاقة العقل) و(طاقة
إرادة الخير).
لهذا فإن شعارنا هو: ((انظر بقلبك.. وحلل بعقلك.. وقرر
بإرادتك..))
إن (عقيدة الضمير) أشبه بالشجرة: جذعها هو الضمير،
وجذورها: (المحبة) و(العقل الوسطي) و(إرادة الخير والحياة)، أما ثمارها فهي
(الغايات الإصلاحية الوطنية)..
المبدأ الأول، المحبة:
إننا نؤمن بأن (المحبة) هي الأساس الأول الذي تقوم عليه
الحياة الفردية والمجتمعات البشرية. إن محبة الذات والحياة هي الطاقة الجبارة التي
تدفع الفرد الإنساني إلى البقاء وتحدي كل الصعوبات منذ لحظة الميلاد وحتى الممات.
وبدون حب الذات والحياة يستحيل على الإنسان، حتى الرضيع، أن يبقى لحظة واحدة في
العمر. ما الموت، مهما كانت أسبابه الظاهرية، إلا أنه في جوهره تعبير عن تعب
الإنسان من الحياة و(نضوب طاقة محبته لذاته وللحياة) ورغبته الباطنية في
(الاستقالة) منها.
إن المحبة أيضا أساس المجتمع. فدون المحبة ليست هنالك
أمومة وأبوة ولا عائلة ولا أخوة ولا صداقة ولا جماعات وطوائف وأحزاب وحياة
اجتماعية. إنها لخاطئة تلك الفكرة الحداثية السائدة التي تؤكد فقط على (العقل
والمصالح) في تحريك البشر والطبقات والدول. في الحقيقة، حتى المصالح،
في أعماقها، تخفي مشاعر. إن فكرة (البقاء للأقوى) الغربية، غير صحيحة وتبتغي تحويل
الإنسان إلى كائن وحشي لا تحركه غير أحقاده وعضلاته. إننا نؤمن بقانون: (البقاء
للأكثر محبة لذاته وللحياة)..
خاطئة أيضا تلك الفكرة الشعبية السائدة، بأن (محبة
الذات) تعني (الأنانية وكره الآخرين). بل الحقيقة هي العكس تماماً: إن (الأناني)
هو من يكره نفسه. من المنطقي جدا، أن الذي يحب نفسه، من مصلحته أن يجعل الآخرين
يحبونه. لكن الأناني في كل مكان وزمان، غير محبوب من قبل الآخرين. وأقصى ما يمكنه
أن يفعله، أن يكسب رضا الناس بالمال أو بالقوة، لكنه أبدا لن يكسب قلوبهم. إن
(الأناني) يعاني من (كره الذات)، وكل سلوكه الظاهري من عناية بالذات وحرمان
الآخرين، ما هو إلا سلوك مصطنع لخداع نفسه التي يخشاها ويمقتها، مثل الذي يخادع
عدواً رابضاً في داخله. إن المحب الحقيقي لذاته لا بد أن يحب الآخرين. من دون محبة
الذات لا يمكن للإنسان أن يحب الحياة. ومن يحب الحياة لا بد أن يحب البشر والبيئة
التي تتكون منها.
ثم إن المحبة تختلف عن التملك، لأنها منفتحة على كل
البشر. الذي يغار عليك ويبتغي إبقاءك حكراً له، لا يمكنه أن يحبك، بل يبتغي
امتلاكك. إن من لديه محبة لإنسان أو قضية، يحرص على أن يشاركه جميع الناس محبته.
إن من يريدك له وحده، لا يمكنه أن يحبك، بل هو في أعماقه يبتغي أذاك وحرمانك من
محبة الناس. الإنسان التملكي لا يمكنه أن يحب الآخرين، لأنه أساسا لا يحب ذاته
وفاقد الثقة بها ويخشى أن تهرب منه نحو الآخرين.
آن الاوان لنزرع في شعبنا (محبة الذات)، ونخلصه من
ثقافة (التضحية بالنفس) التي شحنتها فيه كل المعتقدات والأحزاب: ((التضحية من أجل
الآخرين.. التضحية من أجل الدين.. التضحية من أجل الحبيب.. التضحية من أجل الحزب..
التضحية من أجل الوطن..الخ..)).. الكل يطالب الإنسان العراقي بالتضحية، حتى غدت
(التضحية) هي العقيدة الكبرى التي يتعلمها العراقي في البيت وفي الشارع وفي
المدرسة وفي الحزب وفي وسائل الإعلام.. ليست صدفة أبدا، هذه الكوارث المتلاحقة
الذي ظل يعيشها العراقي منذ أجيال وأجيال، لأن (ثقافة التضحية) واحتقار الذات، لا بد أن
تخلق الكواراث التي تتطلب التضحيات!!
إن المحبة تبدأ بـ(محبة الذات) لتبلغ ذروتها بمحبة
(الله).. إن من لا يحب نفسه والناس لا يمكنه أن يحب الله. فمن لا يحب المخلوق، كيف
يمكنه أن يحب خالقه؟! إن محبة الخالق تبدأ بمحبة المخلوق، و(ذاتنا) هي أول وأقرب
مخلوقات الله إلينا. إن محبة الله تعني محبة كل خليقته، الإنسان والأكوان. أي محبة
الإنسانية بكل شعوبها وأديانها وطوائفها، ومحبة الطبيعة بنباتاتها وحيواناتها
وسمائها وأرضها..
ليتعلم العراقي أن يقولها بكل ثقة وإيمان:
((أنا أحب نفسي.. لهذا أنا أحب الحياة، ولهذا أنا أحب الناس والوطن والإنسانية
جمعاء والطبيعة الشاسعة، ولهذا أنا أحب الله ضميرنا الأعظم))..
إن "سلاح" المحبة والتضامن لمن يستخدمه بصدق
وإيمان بالذات وبالله، لهو أقوى تأثيرا من سلاح الحقد والضغينة والتضحية بالنفس.
إن المحبة ليست مشاعرا فقط، بل هي فعل أيضا. المحبة الصادقة تحدث ثورة عظمى في
سلوك الأفراد والمجتمعات. إنها تحمي حاملها من كل نوايا الشر ومشاعر الحسد وغدر
الزمان. المحبة تبعث في الفرد والجماعة روح التضامن والقوة والقدرة على مواجهة
الصعاب، وتبعد عن الوطن أية إمكانية لأن يقع بأيدي الرعاع والمغامرين والقوى
الخارجية. أن تريد أن تبعد الشر عن أي إنسان عزيز عليك، فابعث له طاقة المحبة
الصادقة من أعماق قلبك، لأن المحبة وحدها كفيلة بإبعاد الشر مهما كان مصدره. إن
الكوارث لا تصيب أية جماعة أو مؤسسة أو أمة، إلا بعد أن يضعف الحب والتضامن بين
أهلها، وتسود الغيرة والبغضاء، فتتراجع طاقة المحبة والخير لتحل محلها طاقة الحسد
والحقد والشر، فتكثر الفواجع وتحل النوائب ويتكالب الأعداء مثل الذباب على طفل
مهمل.
صحيح أن ( ثقافة المحبة) تعني السلم والحوار والتسامح
ورفض العنف مهما كان، إلا أن هذا لا يعني أبدا، كما يتصور الكثيرون، بأنها (ثقافة
ضعف وخنوع) وغض البصر عن الظلم، بل هي العكس تماما: إن المحبة تمنحك الشجاعة لتقول
الحقيقة وتواجه الظلم، لأنها تمنحك الثقة بنفسك وبالحياة وبالله.
لهذا فإن شعارنا في هذا المجال هو: ((أحبب نفسك أيها
العراقي، لكي تحب أهلك وشعبك والإنسانية جمعاء، حتى تغمرك أنوار الله، قلب الوجود
والحبيب الأكبر))..
المبدأ الثاني، العقل الوسطي:
إن (العقل) يعتمد في تحليلاته وحساباته على مصدرين:
(نوعية المشاعر) التي يحملها الشخص، إن كانت سلبية أم إيجابية، ثم (المنهج الفكري)
الذي يؤمن به، إن كان متطرفا أم وسطيا؟!
نحن نعتمد (المنهج الوسطي) الذي هو نقيض لـ(المنهج
الواحدي المتطرف). إن الرؤية الواحدية تقسم الوجود إلى "ثنائية تناحرية"
بين (الخير والشر)، (الأبيض والأسود)، (الرب والشيطان). وهذا أدى بنا إلى أن نشاهد
الواقع دائما في صراع بين طرفين، أحدهما جيد والآخر سيء. ولم نتعلم بأنه من الممكن
أن يكون في الواقع طرفان مختلفان لكنهما ليسا بالضرورة متناحرين، بل متكاملين،
مثل: الأصالة والحداثة، الدين والعلمانية، الروحية والمادية، الخصوصية والعمومية،
الاشتراكية والفردية، الحرية والمركزية، المساواة والتمايزية، الانتماء الوطني والانتماء
المحلي والإقليمي، الذات والآخر.. وغيرها العديد العديد من (الثنائيات التكاملية)
التي حكمنا عليها بالصراع التناحري بسبب رؤيتنا (الواحدية المتطرفة) التي لا تتحمل
أن ترى أمرين مختلفين لكنهما متكاملين. كم من الصراعات الدامية والتناحرات القاسية
التي خاضها شعبنا طيلة الأجيال السابقة وحتى الآن من أجل أمور تبدو مختلفة شكليا
وشعاراتيا لكنها متكاملة في الجوهر وفي الهدف الحقيقي.
(المنهج الوسطي) في عمقه الفلسفي يقسم الوجود إلى (ثنائية انسجامية
تكاملية)، بين أطراف مختلفة لكنها غير متناقضة بل مكملة لبعضها البعض: الذكورة
والأنوثة، النهار والليل، السماء والأرض، الشمس والقمر، الدنيا والآخرة.. الخ..
ولكي لا يساء فهمنا والظن بأننا لا نميز بين (الخير والشر، بين الله والشيطان، بين
الظالم والمظلوم.. الخ)، يتوجب التوكيد بأن (المنهج الوسطي) لا ينفي أبدا ثنائية
(الخير والشر)، بل هو يؤمن تماما بأن هنالك (الله تعالى رمز الخير والضمير
المطلق..) و(الشيطان، رمز الشر وغواية الحقد والحسد والقسوة). لكن منهجنا الوسطي
يمنح (ثنائية الخير والشر) تفسيرا جديدا: إن الشر يكمن في التطرف، أي تفضيل طرف
معين من الثنائيات المتكاملة للحياة ونبذ الطرف الآخر. أما الخير فإنه يكمن في
الجمع الانسجامي بينها، أي في انسجام ثنائيات الحياة وتكاملها. إن الله هو الوسطية
والاعتدال والجمال والانسجام المطلق بين ثنائيات الوجود. إنه
الدنيا والآخرة، المادي والغيبي، الأبوة والأمومة. أما الشيطان، فهو التطرف
والواحدية والقبح والنشاز وهيمنة بعض الوجود على بعضه الآخر. إن سر الحياة
والسعادة والإبداع والجمال يكمن في التوازن والاعتدال بين الثنائيات: القدم اليسرى
لا تلغي القدم اليمنى، ومن دون تعب ليس هنالك راحة، ومن دون شك وسؤال ليس هنالك
إيمان، ومن دون دنيا ليس هنالك دين، ومن دون أنا ليس هنالك نحن، ومن دون العقائد
الأخرى لا يمكن لعقيدتي أن تنوجد. إن الذكورة وحدها أو الأنوثة وحدها، تعني الجفاف
والموت، ولكن الوسطية بين الاثنين، أي انسجامهما وتوحدهما يعني الخصب والولادة
وديمومة الحياة. التمسك بالماضي السلفي وحده وبأمجاده المفترضة يعني الانجماد في
الذكريات والموت على ما فات، أما التمسك بالمستقبل وحده وبحداثته الموعودة، فيعني
العزلة في الخيال والفقدان في ثمالة الوعد والانتظار، بينما الانسجام
بين الاثنين يعني "الحاضر" أي رؤية الواقع كما هو للتعرف على ماضيه
واستشراف مستقبله. بين الصيف والشتاء هنالك فصلا الاعتدال. من دوامات الثلج والنار
تنبثق مياه الحياة.
المبدأ الثالث، إرادة الخير والحياة:
منذ أن وعى الإنسان الحياة وهو لا يكف عن التساؤل: (هل
أنا مخير أم مسير)؟! اختلفت العقائد والأديان حول الأمر، بعضها يؤكد على دور
الخالق وبعضها يؤكد على دور المخلوق. أما العقائد الحديثة فقد أكدت على دور الصدفة
والظروف. نحن باعتمادنا على (المفهوم الوسطي) و(طاقة المحبة)، فإننا نميل إلى
المفهوم التالي: الإنسان (مخير ومسير) بآن واحد. إنه (مخير) بقدر إداركه لحقيقة
ذاته والواقع الاجتماعي والكوني الذي يؤثر فيه. ثم مدى جهده للتفاهم مع ذاته
لاكتشاف القوى الفاعلة في داخله التي تساعده على الانسجام مع الواقع وجعله بخدمته. لكنه
أيضا (مسير) بقدر جهله لحقيقة ذاته وللواقع الذي يحيطه، وبالتالي يكون قامعا لذاته
العميقة ومستضعفا أمام الواقع الذي يحيطه. إن وعي الذات الداخلية يقود تلقائيا إلى
وعي الواقع الخارجي والانسجام معه وتطويعه، لأن ذات الإنسان أشبه بالغصن في شجرة
الوجود الحياتي والإلهي، ومن لا يعي غصنه سوف لن يعي أبدا شجرة الوجود الكلي. لهذا
فإن الحرية تعني أولا إدراك الذات، أما العبودية فهي الجهل بها! نعم إن اكتشاف الذات
هو الطريق لاكتشاف الواقع ثم الانسجام معه وتطويعه، والجهل بالذات يعني الجهل
بالواقع ثم الخضوع له. ولهذا قال الحكماء منذ القدم: (اعرف نفسك أيها الإنسان)!
وهذا يعني الإيمان بأن الإنسان، أفرادا وجماعات، يمتلك
القدرة الداخلية على تطويع الحياة لصالحه لو أنه تعرف واستخدم بحكمة الطاقة
الكونية الإلهية الكامنة في ذاته.
إن عقيدتنا ترفض الفكرة التبسيطية السائدة عن الضحية
البريئة والجلاد الآثم. إن الإنسان، فردا وجماعة، مسؤول عن مصيره تماما، لأنه هو
نفسه الوحيد القادر على تحديد موقعه في الحياة، وهو الوحيد القادر على معرفة ذاته
واكتشاف خباياها ونواياها ونقاط قوتها وضعفها ثم التفاهم معها للتعامل مع الواقع
واكتشاف خباياه ونقاط ضعفه وقوته من أجل تطويعه والانسجام معه. إن الداخل هو الذي
يحدد الخارج، وإن الآخر يتعامل معك كما تتعامل أنت مع نفسك. اقتنع بعمق وبإصرار
بأنك تستحق الخير والصحة والمحبة، وابعث طاقة الخير والمحبة للآخرين، واعمل على أن
يفعل الآخرون مثلك، وسوف ترى أن حياتك وحياة الآخرين سوف تتحسن بصورة تفوق التوقع.
إن الشعوب التي تعاني الخراب من قمع وفقر وحروب، قبل أن
تسأل جلاديها وظروفها، عليها أن تسأل ذاتها الداخلية عن الخراب الكامن فيها. إذا
كانت ذات الإنسان هي نفسيته ومعتقده، فإن ذات الشعوب هي أفكارها وثقافتها
ومعتقداتها التي تهيمن عليها، وهنا يكمن الدور الحاسم للنخب الفاعلة الدينية
والثقافية والسياسية في تقرير حياة مجتمعاتها. إننا نؤمن أن خلاص الإنسان، فردا
وجماعة، يكمن أولا وقبل كل شيء في تنقية ذاته النفسية والمعتقدية من جراثيم الخراب
الكامنة فيها. إن أفضل صورة تعبر عن هذه الحقيقة، تلك الحكمة القرآنية المقدسة: ((لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم..))..
الثمار والغايات التي نطمح إلى إنباتها في شجرة ضمير
أمتنا
إن (ضميرنا) يستمد غذاءه وديمومته من (طاقة المحبة) و(
طاقة العقل الوسطي) و(طاقة إرادة الخير والحياة)، لهذا فإنه بطبعه (ضمير) حي وعادل
لا يثمر غير ثمار وغايات واقعية إنسانية تطمح لبذر الخير والمحبة والعدل في عموم
الحياة الشخصية والوطنية والإنسانية. إن (الضميرية) هي دعوة لضمير كل عراقي لأن
يكرس بعضا من وقته لإغماض عينيه عن الآخرين والتفكير بذاته وحقيقة مواقفه ومدى
مسؤوليتة الشخصية عن هذه الكوارث المتلاحقة التي تعيشها أمتنا منذ أجيال وأجيال.
لهذا فإننا بالاعتماد على مبادئنا الضميرية أعلاه،
وبناء على دراستنا لواقع أمتنا الجريحة المنكسرة التي تكالبت عليها ضباع الغدر من
كل حدب وصوب، فإننا ندعو إلى تبني الغايات التالية، ونحن على قناعة أنها، بعزم
أصحاب الضمائر الحية، لا بد أن تثمر قريبا في نفوس شعبنا وسوح وطننا:
1 ـ إحياء الهوية الوطنية ومفهوم الأمة العراقية:
كل أمم الأرض، ما نجحت ببناء دولة مستقرة إلا بعد بناء
(هوية واضحة مستقرة). إن استقرار أي مجتمع وأية دولة، لا يقوم بقرار سياسي أو بضغط
بوليسي، بل نتيجة ثقافة سائدة بين أفراد وفئات المجتمع تجعلهم يقتنعون بأن هنالك
قواسم ومصالح مشتركة كثيرة بينهم تجعلهم يتعايشون معا في وطن واحد ودولة واحدة.
صحيح أن الهوية تعتمد على واقع جغرافي وميراث وتاريخ مشترك، إلا أنها لا تكتمل إلا
بتربية واعية تقوم بها النخب المتعلمة، السياسية والثقافية والدينية. مشكلتنا
الكبرى أن نخبنا لم تهتم بهذا الجانب، بل إنها بالعكس اتجهت نحو الخارج وراحت
تستمد منه هويات خارجية قومية ودينية وأممية لا تعترف أبدا بالهوية العراقية
المشتركة. وهذا سر التناقض الكبير الذي عاشه الشعب العراقي خلال أكثر من قرن: من
ناحية نريده أن يبقى متوحدا مستقرا، وبنفس الوقت نعلمه ليل نهار بأنه مصطنع وغير
موحد، بل هو أمم وقوميات وشعوب لا يجمعها جامع غير (قرار الإنكليز باصطناع العراق
الحالي)!!
لهذا نحن نعمل على إشاعة ثقافة (الهوية الوطنية
المشتركة) القائمة على الأمور التالية:
ـ إننا (أمة عراقية) ولسنا (أمما وقوميات وشعوباً)
تابعة لأمم دينية وقومية خارجية. وإن هويتنا هذه مستمدة من تاريخنا العريق الممتد
لآلاف الأعوام، ومن جغرافيتنا المتمثلة بهذين النهرين الخالدين (دجلة والفرات) وما
حولهما من سهول وجبال وأهوار وصحارى.
ـ إن هويتنا هي هوية سمحاء تعترف بالتنوع. أي أننا نؤمن
بأن هويتنا الوطنية الجامعة، هي بحيرة تصب فيها العديد من أنهار وغدران (الهويات
المحلية) الأقوامية ـ اللغويةـ والدينية والمذهبية والمناطقية. إن محبة الكل لا
تنبع إلا من محبة الجزء، ومن لا يحب أهله ومنطقته وأبناء لغته ودينه ومذهبه، لا يمكنه أبدا أن
يحب أمته. لهذا فإننا نؤكد بأن أمتنا العراقية لا تبتغي أبدا إلغاء تمايز الفئات
العراقية المختلفة، بل تعترف بها وبخصوصيتها، وتطالب بمنحها حقوقها الثقافية،
وإشراكها الفعلي في كل مرافق الدولة والمجتمع. ولكن بشرط واحد وحيد
هو: أن التأكيد على الخصوصية والتمايز يجب أن لا يتناقض أبدا مع التأكيد على
القواسم الوطنية المشتركة بين كل الفئات، وأن العراق هو غايتنا جميعا.
ـ إن هويتنا الوطنية قائمة على أساس الانتماء للتاريخ
العراقي بكل حضاراته ومراحله التاريخية. أي أننا نرفض بصورة قاطعة، كل التفسيرات
العرقية (القومية) لمعنى (الهوية والأمة)، والقول (بأننا سومريون ولسنا عرباً)، أو
تبرير العداء للشعوب العربية بحجة الدفاع عن (الأمة العراقية). إن خلافنا هو مع
(آيدلوجية القومية العربية) وليس مع (الشعوب العربية) ولا مع تاريخنا العربي
الإسلامي. إننا نؤمن بأن العراق الحالي، هو حصيلة كل مراحل تاريخه: المسماري،
الآرامي المسيحي، العربي الإسلامي ، العثماني، وحتى الآن. ومن السذاجة والتعصب
التمسك بمرحلة معينة والتنكر لباقي المراحل، كالإنسان الذي يدعي الانتماء مثلا إلى
تاريخ طفولته ويتنكر للفترات
الأخرى. مثلما على العراقي المسلم أن يشعر بالانتماء لكل الميراثات الوطنية
السابقة للإسلام بالإضافة إلى الميراث الإسلامي، كذلك على العراقي غير المسلم وغير
المؤمن، أن يشعر بالانتماء إلى الميراث العراقي العربي الإسلامي لأنه ميراث وطنه وقد ساهم أسلافه بصنعه.
ـ إن (هويتنا الوطنية) لا تعادي الهويات الخارجية
المحيطة بنا: الهوية القومية (العربية والكردية والتركمانية والسريانية)، والهوية
الإسلامية والهوية الشرق أوسطية، والهوية العالمية (الأممية). بل إننا ضد أن تعتبر
هذه الهويات الخارجية هي الأساس والمرجع، وهويتنا الوطنية ثانوية مؤقتة وتابعة،
كما هو سائد في ثقافتنا السياسية منذ قرن وحتى الآن. إننا نعتبر الهوية الوطنية
لأمتنا العراقية، هي جوهر ومركز الهويات الكبرى المحيطة بنا: الهوية العربية التي
تجمعنا مع أشقائنا في بلدان الشام والعالم العربي. الهوية الشرق أوسطية التي
تجمعنا مع إخواننا الأتراك والإيرانيين، وخصوصا مع الفئات الكردية والسريانية والعربية في هذين البلدين الجارين. الهوية
الإسلامية التي تجمعنا مع محيطنا الإسلامي. الهوية المتوسطية التي تجمعنا مع شعوب
البحر المتوسط: (نحن نعتقد أن العراق يجب أن يدخل ضمن مجموعة بلدان البحر المتوسط،
لأنه جغرافيا وحضاريا ضمن هذه المنطقة، وليس بالضرورة أن يكون موقعه مباشرا على
البحر، فإن البرتغال لا تقع على البحر المتوسط وهي رغم هذا عضو في المجموعة. إن
المجال الحيوي الحضاري للبحر المتوسط يتوقف عند جبال زاخاروس أي الحدود الفاصلة
بين العراق وإيران حيث يبدأ بعدها المجال الحضاري الآسيوي).
ـ بناءً
على هذا، إننا ندعو جميع الأطراف العراقية المدافعة عن هويات قومية ودينية خارجية،
أن تتفق على (مفهوم الهوية العراقية) كقاسم مشترك بين الجميع. نقترح أن تكون
الصيغة المطلوبة بهذا الخصوص في الدستور العراقي القادم، كالتالي:
(إن هوية الشعب العراقي الأساسية هي الهوية الوطنية الخاصة به، وإنه فخور
بتشكله من عدة أقوام وأديان ومذاهب. فمن الناحية الاقوامية، بالإضافة إلى العرب
والأكراد، هنالك التركمان والسريان. ومن الناحية الدينية، بالإضافة إلى الغالبية
المسلمة، هنالك أيضا المسيحيون والصابئة واليزيدية. ومن الناحية المذهبية، فهنالك
مذهب الشيعة الجعفرية ومذاهب السنة. إن جميع هذه الفئات الاقوامية والدينية
والمذهبية، هي فئات عراقية أصيلة وعريقة، وكلها ساهمت في صنع تاريخ وطننا وميراثه
الحضاري العظيم. وإنها تستحق أن تكون على قدم المساواة في المشاركة
في إدراة الوطن وصنع حاضره ومستقبله.
وبما أن الإسلام هو دين الغالبية الساحقة من العراقيين،
والقاسم المشترك بين مختلف فئاتهم الأقوامية، فإنه يستحق أن يكون مصدرا أساسيا
بجانب المصادر الحديثة، للتشريع والتربية، مع الاحترام التام للعقائد الدينية
الوطنية الأخرى، المسيحية والصابئية واليزيدية.
صحيح أن الشعب العراقي يحمل أساسا هويته الوطنية
الأصيلة والمتنوعة الخاصة به، إلا إنه أيضا مرتبط بعلاقات حميمة وعميقة مع العالم الخارجي المحيط به، وخصوصا مع
الشعوب العربية الشقيقة، والشرق الأوسط، والعالم الإسلامي، بالإضافة إلى شعوب
البحر المتوسط وباقي شعوب الأرض).
أما بالنسبة للخطوات الضرورية من أجل تعزيز المساواة
والألفة بين الفئات العراقية، فنحن ندعو إلى:
ـ مع
التدريس الإجباري للغة العربية كلغة رسمية مشتركة لجميع الفئات العراقية، ندعو إلى
إقرار حق كل منطقة سكانية أن تضيف إلى منهاجها التدريسي لغتها المحلية الخاصة بها:
اللغات الكردية (السورانية والبهدنانية والفيلية والخانقينية)، واللغة التركمانية
واللغة السريانية والصابئية. وتشجيع تداول جميع هذه اللغات في وسائل الإعلام
الوطنية.
ـ تخصيص كليات ومراكز بحوث خاصة لدراسة لغات الفئات
العراقية والاهتمام بميراثاتها الشعبية والدينة والمذهبية الخاصة بها، والتعريف
بها على كل الأصعدة الثقافية والإعلامية.
ـ الاتفاق على مناسبات احتفالية خاصة بكل فئة عراقية
لتكون مناسبات احتفالية رسمية لكل العراقيين، منها مثلا عيد الربيع العراقي (نيروز).
2 ـ الإيمان بالتعددية المعتقدية والسياسية:
التجربة الإنسانية في كل مكان وزمان أثبتت
بأنه من المستحيل، حتى داخل العائلة الواحدة، أن يسود رأي واحد بصورة قمعية
وأبدية. إن الرأي الراجح الذي يسود هو الرأي الذي يتكون بعد حوارات وجدالات عديدة
جرت بين جميع الأطراف المعنية. ثم إننا لا نصدق الأكذوبة السائدة عن (أن
الديمقراطية تمنح الحرية الكاملة لكل الافراد والجماعات بالتعبير الحر والاشتراك
في اتخاذ القرارات). الحقيقة أن أعتى الديمقراطيات، لا يمكنها أبدا أن تحقق هذا
المبدأ، بل هي تعتمد أساسا على (موازين القوى)، وإن الذي ينتصر هو من يمتلك أموالا
ووسائل تاثير إعلامي وحزبي.
نحن يهمنا قبل كل شيء، الجانب الإنساني والشخصي في
(التعددية). أن تكون تعدديا، يعني أنك يمكن أن تكون إسلاميا أو شيوعيا أو قوميا أو
ليبراليا، ولكنك بنفس الوقت يجب أن تمتلك رؤية أوسع تسمح لك بالاعتقاد أن الله مع
مذهبك ولكنه أيضا مع مذاهب الآخرين. إن تنوع المعتقدات مثل تنوع المهن، فالطبيب
مهما كان منحازا إلى مهنته لا يمكنه أبدا أن يعتقد بإلغاء المهن الأخرى، وإن من
يحب فاكهة معينة، ليس بحاجة إلى معاداة متذوقي الفواكه الأخرى. لتكن لدينا تنوعات
الأفكار والمعتقدات مثل تنوع المهن والفواكه. أما في السياسة فإن نشر ثقافة المحبة
والتضامن والسلام بين الناس كفيلة بأن تخفف كثيرا من حدة الصراعات السياسية، أو
على الأقل تعزل المتطرفين والمتعنتين والعنفيين عن غالبية أبناء الوطن.
ونحن أيضا مع الجانب السياسي التطبيقي من التعددية، أي
ما يسمى بـ"الديمقراطية"، أي تلك التقنيات التي أوجدتها تجارب
الديمقراطية الغربية في القرون الأخيرة. إن هذه التقنيات المعروفة تتمثل بالدستور
وفصل السلطات والبرلمان والتصويت وحرية الصحافة والأحزاب وغيرها من التقنيات
القابلة للمراجعة والتغيير حسب ظروف كل أمة.
أما بالنسبة لإشكالية (العلمانية) و(الدولة الدينية)،
فإننا كعادتنا نميل إلى الحلول الواقعية المعتدلة. فنحن ضد مفهوم الدولة الدينية
التي تحكم بالكفر على كل ما هو مخالف لها، ونحن كذلك ضد تقديس مفهوم (العلمانية)
على الطريقة الفرنسية والشيوعية، إذ يتم أيضا تكفير واحتقار كل (تعبير ديني) واعتباره
متخلفا رجعيا، وفرض ثقافة الحداثة والتغريب بصورة قسرية. إننا نتبنى الموقف
الديمقراطي التعددي السائد في غالبية الدولة الديمقراطية، باحترام كل المعتقدات
غير الضارة بالمجتمع والدولة، وفضح المعتقدات الضارة (العنصرية واللا إنسانية
والفضائحية والتبشير الديني الأجنبي، وغيرها)، والعمل على مكافحتها ثقافيا
وديمقراطيا. واعتبار الأحزاب والهيئات الدينية الوطنية مثل باقي أحزاب وهيئات
المجتمع، لها كل الحقوق والحرية بالتعبير الديمقراطي عن نفسها ومشاريعها، بشرط
احترامها التعددية السياسية والثقافية.
3 ـ تقديس البيئة وطبيعة الوطن:
إن الحضارة الحديثة السائدة، رغم كل محاسنها، إلا أنها
تعاني من عيوب كثيرة، من أكبرها: أنها قدست المكننة والإنتاج المادي، ولم تهتم
بالبيئة والطبيعة، بل انهالت عليها استنزافا وتدميرا بلا رحمة ولا حسبان أو تخطيط.
والنتيجة تلوث الهواء والتربة والنباتات وثقوب الأوزون وارتفاع الحرارة وتقلب
المناخ وانتشار الأمراض السرطانية والتنفسية والعصبية، وارتفاع عدد ضحايا حوادث
السيارات إلى مستوى ضحايا الحروب الكبرى!! ثم إن هذا التحديث التقني المادي، أثناء
تدميره الكاسح للبيئة، قد دمر أيضا الخصوصيات الطبيعية والإنسانية للأوطان،
من تقاليد مهنية وطبية
وعادات ثقافية موروثة من ثياب وأطعمة وطرق عيش مختلفة. إن الحداثة تحولت إلى كل ما
هو نقيض للطبيعة والبيئة والبساطة في طرق العيش والحياة، من خلال تقديس المكننة
والإنتاج المادي وتدمير الطبيعة وتحويل الحياة بكل تفاصيلها إلى مصنع كبير، يكون
فيه مبدأ الربح هو المقياس الأول لقيمة الإنسان والطبيعة.
إننا لا نرفض الحداثة بمعانيها العلمية والتقنية
والإنتاجية، بل نتبناها، ولكن ضمن مبدأ أساسي فحواه: إن الإنسان وبيئته هما الهدف
الأول والأكبر للحداثة، وليس المكننة والربح المادي وكمية البضائع. إن حداثتنا
وعلميتنا يجب أن لا تتناقض مع مبدأ تقديس الوطن بكل جوانبه الميراثية والتقاليدية
والبيئية والطبيعية. لهذ فإننا نتبنى المواقف التالية:
ـ رفض التبجح الحداثي والتقليد الأعمى للطروحات
والموضات الثقافية الغربية وعبادة التكنولوجيا والإنتاج المادي. والعمل على دراسة
وتطوير الميراث الشعبي الوطني والبحث عن طرق إنتاج وتحديث نابعة من الواقع والبيئة
المحلية. وتربية الإنسان على احترام بيئته ومكافحة التلوث والاجتياح الوحشي
للحضارة الصناعية الحديدية.
ـ فضح عمليات التلويث السرية الجارية منذ أعوام في
بلادنا بلا حسيب ولا رقيب، في جميع المجالات العسكرية والصناعية والزراعية.
ـ نشر ثقافة تقديس البيئة ودفع الناس والمؤسسات إلى
الإكثار من التشجير، وجعل رعاية البيئة واجبا ضميرياً، وإقرار الحوافز والدعم
والجوائز لكل النشيطين في مجال التشجير واحترام البيئة. ورفع شعار: (إحياء النخلة،
هو إحياء للأمة..).
ـ المطالبة بإقرار قانون لتقديم التسهيلات والدعم لكل
الشركات والجهات التي تساهم بتقليل التلوث، وعلى العكس، تفرض الضريبة على الشركات
والجهات التي تساهم بالتلوث.
ـ نشر ثقافة (الغذاء الطبيعي والحيوي) الخالي من
الكيمياويات التي تدمر الطبيعة وتلوث الأرض والماء والسماء. أن يتم تشجيع
المزارعين على تكوين التعاونيات والمؤسسات التي تتبنى الزراعة (الحيوية) الخالية
من الكيمياويات. كذلك يقدم نفس التشجيع للصناعات الغذائية الطبيعية والحيوية.
ـ إشاعة وسائط النقل العامة، من قطارات وباصات ومتروات،
للتقليل من وسائط النقل الخاصة والحد من النمو الوحشي لعدد السيارات التي أحالت
حياة المدن إلى مهرجانات جنونية حديدية صاخبة ملوثة عابثة ينتظرك فيها خطر الإصابة
والموت في كل شارع ورصيف.
4 ـ الدفاع عن حقوق المرأة ومساواتها الضميرية بالرجل:
إن احترام المرأة والدفاع عن حقوقها، ليس غايته فقط
الحرص على المرأة وحدها، بل كذلك الحرص على الرجل نفسه وعلى عموم المجتمع والدولة.
إن قناعتنا بأن الخير يكمن في الانسجام بين ثنائيات الوجود، يجلعنا نعتقد بأن
(المجتمع السليم المستقر) هو المجتمع الذي خلق انسجاما وتعادلا بين طرفيه
الأساسيين، أي الرجل والمرأة. إذا كان الرجل يمثل الذراع اليمنى للمجتمع، فإن
المرأة هي ذراعه اليسرى، وعندما يفقد الإنسان أحد أعضائه الأساسية فإنه يصبح معوقا
مشوها. إن من أولى العوارض المرضية لأي مجتمع قلق متوتر يسوده العنف والقمع:
(الخلل في العلاقة، بين الرجل والمرأة).
في كل أنثى هنالك جانب ذكوري معين في شخصيتها: (فحولي
تسلطي عضلي عملي جاف عقلي فردي اختراقي). كذلك في كل رجل هنالك جانب أنثوي معين في
شخصيته: (أمومي عاطفي أريحي نباتي رطوبي اجتماعي استقبالي). إن قمع المرأة في
المجتمع هو بنفس الوقت قمع للجانب الأنثوي في رجال المجتمع، وتحويلهم إلى فحول
متوترة جافة متهيجة، يمارسون العنف ضد بعضهم البعض.
لهذا فإننا عندما ندافع عن حق المرأة بالمساواة مع
أخيها الرجل، لا نبتغي فقط الحرص على سلامة المرأة وحدها، بل أيضا نحرص على سلامة
الرجل نفسه وعلى عموم المجتمع، لكي يكون أكثر توازنا وعاطفة وإنسانية، وأقل عنفا
وجفافا وفحولة.
لكن دعوتنا للمساواة، تختلف تماما عن الفهم الغربي
الحداثي لـ(مساواة المرأة) القائم في جوهره على فكرة أن تنسلخ المرأة عن خصوصيتها
الأنثوية البيولجية والنفسية والتاريخية، لتصبح ذكرا في الشخصية والثياب والعمل
والسلوك اليومي. إن المساواة لا تعني أبدا المساواة في الهوية الذاتية، بل
المساواة في الحقوق. إن حرية المرأة وكرامتها، تكمن في مدى قدرتها على التعبير عن
هويتها وشخصيتها المتميزة عن الرجل. ثم إننا يجب أن نأخذ بنظر الاعتبار خصوصياتنا
الميراثية والدينية والبيئة في تشريع القوانين الخاصة بالمرأة. لهذا فإننا نقترح الإصلاحات
التالية:
ـ مساواة المرأة مع الرجل في الحقوق الإنسانية
الاجتماعية والمهنية. وتنقية القوانين من كل الأحكام التي تحتقر المرأة وتظلمها.
ـ إقرار نظام الحصة للنساء (الثلث على الأقل) في جميع
القيادات السياسية وإدارات الدولة والمجتمع..
ـ إننا مع حرية المرأة في التنقل والاختلاط، كذلك في
التجمل وارتياد الأزياء المعقولة. نعم إننا ضد إجبار المرأة على التحجب، لكننا
تماما ضد أن تتحول إلى مجرد سلعة جنسية غايتها إثارة الرجل، كما هو سائد في الغرب.
إن أسلوب التعري وإبراز المفاتن ونشر الدعاية الخليعة وأفلام الجنس.. كل هذه
الامور المبتذلة، ليست لها أية علاقة بحرية المرأة، بل هي عوامل لتعذيبها
وانحطاطها وتشويه صورتها وكرامتها في نفوس وعقول الشبان والرجال..
ـ مع إيماننا بحرية المرأة في العمل خارج الدار، إلا
أننا نختلف مع الحداثيين الذي يحتقرون المرأة ربة البيت. إننا بقدر ما نقدس دور
المرأة العاملة خارج الدار، كذلك نقدس دورها كأم وربة بيت. بل إننا نعتبر
(الأمومة) خدمة اجتماعية واقتصادية تقوم بها المرأة إزاء المجتمع، لهذا فإنها
تستحق الراتب الشهري من قبل الدولة، مثل أي شخص منتج.
ـ إن حل مشكلة الاختلاط بين الجنسين، يتطلب بعض الجرأة
في إيجاد الحلول المناسبة. بالإضافة إلى تشجيع الزواج، كذلك نحن مع فتح باب النقاش
الواسع من أجل دراسة فوائد ومضار الحلول الدينية المعروفة، مثل (زواج المتعة)
و(زواج المسيار) وغيرها من الحلول القابلة للتطوير والتقنين والتي قد تساعد على التخفيف من ثقل
الحاجة الجنسية والعاطفية، بأقل ما يمكن من المؤثرات السلبية.
5 ـ العمل على إعلاء شأن الثقافة والمثقفين:
قبل النظر إلى (الواقع السياسي) لأي مجتمع، يتوجب النظر
إلى (الواقع الثقافي)، لأن الثقافة هي الضمير. وعندما يكون الضمير حيا محبا للذات
وللحياة، يكون البدن كذلك حيا مفعما بالصحة والنشاط. لهذا فإن المجتمعات التي تعيش
استقرارا وبحبوحة، هي المجتمعات التي تسودها ثقافة (ضميرية) واقعية أصيلة تعبر عن
الإنسان ومشاغله وأحلامه، وتلعب فيها النخب المثقفة والمتعلمة دورا أساسيا في صنع
مشاريع الوطن، والإسهام الفعال بقيادته، إلى جانب السياسي ورجل الدولة. أما
المجتمعات المتوترة المأزومة، فهي دائما مجتمعات تسودها ثقافة (لا ضميرية) منقطعة
عن الواقع ومرتبطة بالخارج، ومثقفوها منعزلون وخائفون وتابعون في الغالب للسياسي
ورجل الدولة.
إن وظيفة المثقف أنه (صانع للأفكار والمشاريع)، أما
السياسي فإنه (منفذ لهذه الأفكار والمشاريع)، أي أن المثقف يمتلك (فن التفاعل مع
الواقع وفهمه ودراسته واستنباط المشاريع له)، أما السياسي فهو يمتلك (فن إدارة
الواقع، مجتمعا ودولة).
المثقف رجل تفكير وتحليل وتنظير مهما امتلك روحا عملية
وتنظيمية، والسياسي رجل تخطيط وتنفيذ مهما امتلك روحا ثقافية. وكل منهما يغدو
ناقصا من دون الآخر. إن سر الخراب الروحي والمادي السائد في وطننا منذ أكثر من قرن
وحتى الآن، ناتج عن نرجسية السياسي وتبعية المثقف. منذ مطلع نهضتنا الحديثة وحتى الآن، عجزنا
عن خلق أي ثقافة عراقية وطنية أصيلة، وأي مشروع سياسي عراقي ناجح. أغلب اتجاهاتنا
الثقافية والسياسية مستنسخة من اتجاهات أجنبية خارجية، قومية ويسارية وليبرالية
ودينية.. لهذا فإننا نعمل على:
ـ تشجيع السياسي على أن يمتلك روحا مسؤولة واثقة
ومتخلصة من النرجسية والغيرة وروح التملك والزعامة والإلغاء التام لكل المبدعين.
وأن يتحلى بما يكفي من التواضع لإقرار حاجته للمثقف من أجل تأسيس المشاريع
الثقافية والسياسية الوطنية.
ـ تشجيع المثقف على أن يرتبط بواقعه العراقي ويكرس
جهوده الفنية والأدبية والعلمية والدراسية، للتفاعل مع واقعنا، بمدنه وقراه
وأراضيه وأقوامه وطوائفه ومهنه وبيئته، وكل أموره التي تم تجاهلها بسبب التركيز
المتطرف على الخارج.
ـ تكوين الروابط الثقافية واللجان الدراسية ومؤسسات
النشر والإعلام، التي ترفع من شان المثقف والثقافة الوطنية..
6 ـ الاهتمام بالطفولة والشبيبة وخلق نظام تربوي ودراسي أكثر إنسانية وأقل
قمعا وكبتا:
إن الحديث عن الطفولة والشبيبة مرتبط أساساً بالحديث عن
النظام التربوي والدراسي. فالمدرسة بكل مراحلها تنافس وتتجاوز العائلة في تأثيرها
على الأطفال والفتيان والفتيات، من ناحية كمية الوقت الذي يقضونه في المدارس
والمعاهد، وأيضا التأثير الروحي والمعلوماتي الذي يكتسبونه منها. في العالم أجمع،
رغم اختلاف الدول والثقافات، فإن الأنظمة الدراسية تتشابه في الناحية التالية:
ـ اعتبار الطالب صندوقا ضخما خاويا، وعلى النظام
التعليمي أن يملأه بأكبر كمية ممكنة
من المعلومات في كل مجالات الحياة!!
إن جميع الأنظمة الدراسية تستخف بالجانب (النفسي الروحي
البدني) للطالب، وتركز أولا وأخيرا على الجانب العقلي، أي على (الدماغ) وحده، لهذا
فإن الحصص (الحياتية)، أي الحصص الرياضية والفنية والروحية النفسية والحرفية
والامتاعية، تعتبر ثانوية وزائدة حتى في بلدان أوروبا الغربية!
صحيح أن الدول الغربية بدأت تهتم بهذه الجوانب الحياتية
وخصوصا في مرحلة الدراسة الابتدائية، إلا أنه رغم ذلك، تبقى الحصص (المعلوماتية)
تمثل أكثر من 90% من مجموع الحصص الدراسية، ومع تصاعد المستوى الدراسي تغيب تماما
تلك الحصص. وفي كل الأحوال إن (الحصص الحياتية) تظل دائما ثانوية وبلا قيمة لأنها لا تؤخذ
بنظر الاعتبار في الامتحانات النهائية!
إن طبيعة العقل الحداثي المادي وضرورات النظام الإنتاجي
الرأسمالي، فرضت هذا التقديس للمعلومات (الإنتاجية). لا ندري لماذا لا يتم احترام
الطالب المجتهد (بكرة القدم أو الرسم أو الغناء أو الخياطة أو الطبخ) بنفس مستوى
الاحترام الذي يناله المجتهد (بالفيزياء أو اللغة أو الرياضيات)؟! رغم أن الواقع
يقول لنا: إن المجتمع بحاجة إلى الرسامين والمغنين والرياضيين والخياطين والحلاقين
والطباخين، بنفس درجة الحاجة إلى الفيزيائيين والبايولوجيين والأطباء والفقهاء
واللغويين!!
إن الطالب المسكين يمضي أجمل سنوات طفولته وفتوته وهو
يعيش في حالة قلق دائم، من أجل أن يجعل عقله يستوعب كل هذه المعلومات الضخمة من
علوم وآداب، وأن يلهث ليل نهار لتأدية واجباته المدرسية. والنتيجة أننا بدلا من أن
نخلق أجيالا متعلمة متزنة واثقة من نفسها، فإننا نخلق أجيالا قلقة متوترة خائبة
تعيش الغيرة والحسد والشعور بالنقمة على الذات وعلى العائلة وعلى المدرسة، بسبب
عدم القدرة على تأدية الواجبات المدرسية كما هو مطلوب. ما عدا أقلية من المجتهدين،
فإن الغالبية الساحقة ينتهي بهم الأمر إلى ترك الدراسة في مراحل مبكرة، مع شعور
بالحسرة والخيبة قد تؤدي بهم إلى التعقد النفسي وإلى العنف والانحراف والرغبة
بالانتقام من المجتمع. إن كثيراً من هؤلاء الشبان، حتى في المجتمعات الغربية، تكون
جراحهم من العمق بحيث أنهم ينحدرون إلى حضيض الإدمان والعنف والفساد لحد القتل
والانتحار.
لهذا فإننا نكافح من أجل إعادة النظر بصورة جذرية بكل
النظام الدراسي في بلادنا، والتحرر من عبودية (العقل) التي جلبناها من النظام الدراسي
الحداثي، ونقترح خصوصا خطوتي الإصلاح التاليتين:
ـ جعل النظام الدراسي في جميع المراحل الدراسية، منذ
التمهيدي وحتى الجامعة، قائماً على المناصفة التامة بين (الحصص المعلوماتية)
و(الحصص الحياتية). وأن يتم التعامل مع النوعين من الحصص بنفس الدرجة واعتبارهما بنفس
القيمة والأهمية في الامتحانات النهائية.
ـ بعد نهاية الدراسة الابتدائية، يتم التأكيد على طبيعة
الميول لدى الطلبة وإعطائهم الحرية المعقولة بالتأكيد على دراستهم للحصص المتعلقة
بهذه الميول، مع الإكثار من الجوانب التطبيقية وزيارة أماكن العمل المتعلقة بهذه
التخصصات، سواء كانت علمية أو أدبية أو رياضية أو غيرها، مع الإبقاء الدائم على
(الحصص الحياتية)..
7 ـ العمل على تقوية علاقات الأمة العراقية مع محيطها الإقليمي:
إن من الخطايا الكبيرة التي ارتكبها الفهم القومي، أنه
ورط العراق بعداء عنصري غير مبرر ضد تركيا وإيران. وبنفس الوقت لم يتمكن هؤلاء
القوميون من إقامة علاقات صداقة وتحالف مع الجيران العرب، بل على العكس، ظلت
العلاقات دائما متوترة ومؤامراتية، وبلغت ذروة مأساتها في حرب الكويت. إننا نعتقد
أنه من مصلحتنا أن نتخلص من المفاهيم القومية العنصرية، وندعو بكل ثقة وقناعة إلى
إقامة علاقات طبيعية وصداقية مع جميع جيراننا: إيران وتركيا وسوريا والأردن
والكويت والسعودية.
إن من الواضح أن الفئات الأقوامية والمذهبية للأمة
العراقية، لها امتدادات تاريخية مع الجيران، لهذا فإننا نؤمن بأن الاستقرار
الداخلي للعراق لا يمكن أن يتحقق إلا مع استقرار عقلاني وثابت مع الجيران. لنستفيد
من تجربة أوروبا الغربية بتخطي ميراث العداء والحروب، من خلال إقرار سياسة التعاون والتحالف إلى حد
التوحد. إنها تجربة تستحق أن نستفيد منها نحن العراقيين من أجل خلق أجواء صداقة
وتعاون وتوحد مع جيراننا في منطقة الشرق الأوسط الذي يشكل بلدنا مركزه الحساس
والأساسي. إن مفهوم التقارب الشرق الأوسطي، لا يتعارض أبدا، مع مفاهيم (التقارب
العربي) و(التقارب الإسلامي)، بل هو مدخل وعامل مساعد لتحقيقهما، لأن بلدان الشرق
الأوسط المحيطة ببلادنا، بعضها مسلمة وبعضها عربية.
إننا أيضا كفكر ضميري عراقي، نطمح للتنسيق مع كل القوة
الخيرة في المنطقة من أجل إقامة شرق أوسط مستقر ومتآخي، قائم على أساس المبادئ
الإنسانية التي تحترم خصوصية وكرامة كل أمة، مع تشجيع التقارب والتنسيق وحتى
التوحد، على طريقة الوحدة الأوروبية.
8 ـ الإيمان بنظام فدرالية المحافظات:
إننا مع الفكرة القائلة بضرورة التخفيف من حدة سيطرة
مركز العاصمة على باقي إدارات الوطن، أي أننا مع نوع من (اللامركزية) أو ما يمكن
تسميته بـ(النظام الفدرالي). لكننا تماما ضد أن تكون هذه (الفدرالية) حجة لتقسيم
الوطن إلى دويلات عرقية طائفية عنصرية. نؤكد بأنه ليس هنالك حل وحيد لهذه
الإشكالية. ثمة حاجة إلى نقاش ودراسة الحلول الممكنة من أجل تطويعها بما يناسب وضع
بلادنا. ونحن نتفهم دعاة إعادة تشكيل المحافظات العراقية، وتحويلها إلى ولايات، كل
ولاية تتكون من عدة محافظات. لكن العيب الذي يعاني منه هذا الحل هو قيامه على أساس
طائفي وأقوامي.
في كل الأحوال، إننا نعتقد أن أفضل حل لتجنب الانشقاقات
الطائفية والعرقية السائدة في الواقع السياسي العراقي، أن يكون مبدأ الانتماء إلى
المحافظة (أو الولاية) هو المعيار الوحيد لتقاسم سلطات الدولة والأحزاب وجميع
المؤسسات السياسية. قد يحدث مثلا أن يمثل محافظة الرمادي أو الموصل شخص كردي أو
سرياني أو فيلي شيعي، مقيم في المحافظة منذ سنوات طويلة ويحوز على رضا غالبية
السكان. وكذلك ضمن هذا السياق قد يمثل محافظة النجف أو الحلة شخص سني أو صابئي،
مقيم فيها... وهكذا دواليك في جميع المحافظات العراقية، حتى تكون المحصلة العامة،
أن الانتماء إلى الأرض الصغيرة (المحافظة) هو المعيار للانتماء للأرض الكبيرة
(الوطن العراقي).
إن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية خطر كبير على
مستقبل أمتنا، لأنه يلغي القيمة الوطنية والإنسانية عن المواطن، ويحوله إلى قيمة
عرقية وطائفية انعزالية. إننا لا نعتقد أبدا، أن نظام المحاصصة الطائفية والعرقية،
يحقق نوعا من التوازن والمساواة بين الفئات العراقية المختلفة، بل هو بالحقيقة يضيف إشكالية
جديدة، تتمثل بانعدام التوازن بين أبناء مناطق الوطن. فباسم التمثيل القومي
والطائفي يتم اخاتجاه معظم ممثلي القومية والطائفة من المحافظات الفلانية
والفلانية على حساب أبناء باقي المحافظات!
إننا نعتقد أن (نظام فدرالية المحافظات أو الولايات)،
هو أفضل الحلول الديمقراطية والإنسانية. وهذا النظام هو المعمول به في جميع
الأنظمة الفدرالية ومنها الأنظمة الأمريكية والسويسرية والألمانية. فليس هنالك
مثلا في أمريكا، إقليم من عدة ولايات خاص بالسود، وإقليم خاص بالناطقين
بالأسبانية.. الخ، كذلك نفس الأمر في ألمانيا وسويسرا. إن نظام (فدرالية المحافظات
أو الولايات) يعني:
ـ أن تجري الانتخابات، ليس على أساس القائمة الممثلة
لكل الوطن أو الإقليم الطائفي والأقوامي، بل على أساس كل محافظة أو ولاية بما
تحتويه من مناطق انتخابية مختلفة. وحسب عدد سكانها يتم انتخاب ممثلين إلى البرلمان
الوطني (مجلس الأمة). يعني أن يكون نواب (مجلس الأمة) ليسوا ممثلين لطوائفهم وأعراقهم، بل ممثلين
لمناطقهم.
ـ أما بالنسبة لتكوين الحكومة، فالأمر يختلف تقريبا.
حيث يتم اخاتجاه أعضاء الحكومة من جميع المحافظات أو الولايات، بحيث تكون كل واحدة
منها لديها على الأقل وزير واحد (بالنسبة للمحافظة)، أو وزيران على الأقل (بالنسبة
للولاية)، وبصورة عامة فإن هنالك وزيرا من
كل منطقة تحتوي على أكثر من مليون نسمة. وفي حالة وجود عدد فائض من
الوزراء، يكون بعضهم وزيرا بلا وزارة. ويتم تداول رئاسة الحكومة والوزارات المهمة
على جميع المحافظات بصورة تناوبية عقلانية.
9 ـ الإيمان بالسياسة الواقعية (البراغماتية) في التعامل
مع القوى العالمية:
إن ثقافتنا السياسية بحاجة إلى نوع من الروح الواقعية
العملية (البراغماتية) في التعامل مع القوى العالمية، وبالذات تلك التي تسيطر على
بلادنا. لنتذكر أن نظام صدام السابق، رغم كل شعاراته القومية الطنانة ومحاربته
المعلنة للامبريالية والصهيونية ليلا ونهارا، إلا أنه مع ذلك كان أكثر الأنظمة
التي قدمت الخدمات الجليلة والمجانية للامبريالية والصهيونية من خلال تدمير الوطن
وتشتيت الأمة العراقية ومعها الأمم العربية. يجب علينا التحلي بالواقعية وبعد
النظر من أجل كسب الأمريكيين إلى جانب مشروع الوطن العراقي. ولنا في هذا تجارب أمم
كثيرة تمكنت من كسب القوى الاستعمارية والتحالف معها وجعلها لصالح مشروعها الوطني،
مثل اليابان وألمانيا والفلبين وسنغافورة وغيرها. بل هل نسينا أن كوبا كاسترو حتى
الآن فيها قاعدة أمريكية! لنتذكر تجربتنا شبه الناجحة مع البريطانيين في العهد
الملكي. ولنا نماذج أخرى قريبة مثل السعودية، وكذلك تركيا التي رغم أنها عضوة في
حلف الأطلسي وفيها قواعد أمريكية، لكنها مع هذا امتلكت دائما حرية التمايز بل وحتى
انتخاب قوى إسلامية معارضة للاشتراك في التحالف مع أمريكا. وليكن شعارنا في
التعامل مع الأمريكيين: (لا للخنوع الذليل، ولا للتمرد الطائش.. ونعم للتعاون الواقعي
والنقد الصريح والاحتكام إلى شعبنا والرأي العام العالمي في حل خلافاتنا معهم). بل
نحن مع بعض الحنكة والروح الوطنية قادرون على تكوين لوبي أمريكي في نفس أمريكا
يستطيع أن يساندنا في الضغط على القوى الامريكية التي لا تتفق مع مصالحنا.
10 ـ الإيمان بفكرة الكفاح السلمي والرفض القاطع للعنف:
إن تجارب الشعوب قد كشفت عن وجود أسلوبين للكفاح من أجل
التحرر والحصول على الحقوق: أسلوب العنف (الكفاح المسلح)، وأسلوب اللاعنف (الكفاح
السلمي). ومن الأفكار الخاطئة التي يشيعها أنصار الأسلوب العنفي: أن أسلوب الكفاح
السلمي يعني الإقرار بسلطة المستبد أو المحتل والخنوع له، وهذه تهمة غير صحيحة.
هنالك فرق كبير بين مفهوم الخضوع والقبول بالظلم، ومفهوم (الكفاح اللاعنفي أو
السلمي): أن الكفاح السلمي يعني قبل كل شيء الاعتماد على الناس وتربيتهم وتوعيتهم
بحقوقهم ودفعهم للكفاح اليومي، بمختلف الوسائل السلمية من تنظيم وتظاهر وإضراب
وفضح وغيرها من الأساليب الكثيرة.
إن الإقرار بشرعية الكفاح ضد أي نظام مستبد أو محتل
أجنبي، لا يعني بالضرورة الإقرار بشرعية الكفاح المسلح وحرب العصابات. صحيح أن أي
كفاح ضد سلطة عنيفة، مهما كان سلمياً، يعرض القائمين به إلى القمع والعنف. لكن
المشكلة لا تكمن في الاضطرار للتعرض إلى العنف، بل تكمن في تقديس مبدأ العنف
وصياغة آيديولوجيا وعقلية وأخلاقية تعتبر العنف أسلوباً ثورياً شاملاً، والقتل
وتدمير الذات والوطن فعلاً بطولياً ! إن خطيئة الكفاح المسلح تتمثل في دفع ضحايا
العنف إلى ممارسة العنف وتقديم الضحايا والخسائر المجانية، كمن يكافح النار بالحطب!
إننا نتفهم إنسانيا ونفسيا، رد فعل المظلوم عنفيا ضد
ظالمه، لكننا أبدا لا نجعل من ردود الفعل هذه عقيدة مقدسة تبرر التضحية بالنفس
وبالناس وتشيع ثقافة الموت والتخريب. إن سيطرة روح العنف على الشعب ونخبه السياسية
والمثقفة، يؤدي إلى ديمومة حالة الانمساخ الروحي التاريخي الذي يعاني منه الفرد
العراقي. إن شعبنا بحاجة أولاً وأخيراً، إلى عقلية مناهضة تماماً لكل ثقافة القوة
والعنف وتقديس الموت، عقلية الإيمان بالحوار والإقناع و(الجهاد) الثقافي السياسي
الصبور ضد مفاهيم الخنوع لمنطق الأشقياء والأقوياء.
11 ـ الإيمان بضرورة إحياء الجيش العراقي وجعله طرفا أساسيا في حماية الدولة:
إن رفضنا القاطع للعنف لا يعني أبدا رفضنا لامتلاك
القوى العسكرية من أجل حماية الوطن والحفاظ على دولته ووحدته وحرمة أراضيه. إننا
بالوقت الذي نرفض فيه قرار حل الجيش العراقي، إلا أننا على قناعة أن ذلك الجيش لو
لم يكن منخورا من داخله بالعنصرية والطائفية والقسوة والعداء للشعب، لما تمكنت أية قوة على الأرض
مهما كانت جبارة، أن تلحق به تلك الهزيمة النكراء، بل وتلغيه من الوجود وتطيح به
مثل أية بناية مهترئة أكلها عث الفساد الداخلي.
إننا ندرك أهمية الجيش لبلاد صعبة الحكم مثل بلادنا،
لهذا فإننا مع عودة الجيش العراقي ليلعب دوره الدفاعي المطلوب كما في غالبية أوطان
العالم. ثم إننا نعتقد أن معظم دول العالم الثالث، مثل الجزائر وتركيا ومصر، يلعب
فيها الجيش دور الحارس لحسن سير العملية الديمقراطية، وعدم تعرضها للتهديد من قبل
الجماعات المتنفذة والمتمردة. نحن نريد أن يلعب الجيش العراقي دورا مهما لحماية الدستور
والعملية الديمقراطية بالتنسيق مع باقي المؤسسات السياسية والثقافية والدينية.
ولكي نضمن نزاهة جيشنا وحسه الوطني والديمقراطي، نشترط أن يكون مبنيا على أساس
الاستقلالية الحزبية والتمثيل الحقيقي والعقلاني لكل فئات أمتنا، الأقوامية
والدينية والمذهبية، مع وجود تعاون كامل بين الجيش و(مجلس الأمة) الممثل لشعبنا.
12 ـ الإيمان بعراقية كل مناطق العراق:
في كل أوطان الأرض، حتى في الأنظمة
الفدرالية، تكون كل مناطق الوطن مفتوحه للسكن والعمل لكل مواطنيها. لهذا فإننا
نطالب بأن يسجل في الدستور القادم أن يكون وطننا بجميع محافظاته وبلداته، وطنا
مفتوحا لكل العراقيين، لهم حق العمل والسكن، بدون أي تمييز، مع احترام الخصوصيات
المحلية لكل منطقة. وهذا يعني أيضا الرفض القاطع لكل الدعوات العنصرية لحملات
التنقية العرقية وطرد الناس من بيوتها ومناطقها. نعم إننا ندين عمليات التعريب التى
مارسها نظام صدام، ولكننا أيضا نرفض عمليات التكريد التي مارستها الأحزاب القومية
ضد المناطق السريانية المسيحية واليزيدية والتركمانية في شمال الوطن خلال أجيال
طويلة، وكذلك التي مورست في الفترة الأخيرة ضد العرب وغيرهم في كركوك وديالى
والموصل. إننا نعتقد بأن الحل الأمثل لخطيئة النظام السابق، لا يكمن بطرد
العراقيين العرب أو غيرهم من كركوك، بل بتعويض المهجرين السابقين لما يستحقونه،
ومنحهم الحرية الكاملة بالاستقرار في أية بقعة من أنحاء العراق، في كركوك أو
غيرها. مثلما هنالك أكثر من مليون كردي عراقي يمارسون حقهم الطبيعي بالإقامة في
باقي مدن وطنهم، مثل بغداد والموصل وغيرها، كذلك من حق أي عراقي، عربي أو تركماني
أو فيلي أو يزيدي أو سرياني أو صابئي، أن يقيم في مناطق تواجد الأكراد بصورة حرة
وقانونية. إننا كذلك مع الإبقاء على عراقية كركوك، ولتظل رمزا للتعايش الوطني الأصيل.
13 ـ نشر الثقافة الإيجابية:
إننا نعتقد أن الإنسان ينال من الواقع، أمورا سلبية
وأمورا إيجابية، حسب نوعية قناعته وروحه، إن كانت إيجابية أو سلبية. وكما يقول
المثل: (تفاءلوا بالخير تجدوه..). هكذا إذن، إن واقع الشعوب تابع تماما لطبيعة
الثقافة السائدة بين ناسها: (الأمثال والحكايات والأغاني والطقوس والرموز والمناسبات والأزياء وغيرها
من الأمور الثقافية والميراثية). إذا كانت هذه الثقافة سلبية وحزينة ومتشائمة
وانهزامية وتشجع الغيرة والحسد والتذلل، فإنه من اليقين أن يكون الواقع كذلك. وإن
كانت تلك الثقافة متفائلة فرحة تمنح الثقة للإنسان بذاته وبناسه وبإلهه، وتشجع روح
الأخوة والتضامن، فإنه من اليقين أن يكون الواقع طيبا ومستقرا وآمنا..
للأسف إن ميراثنا الشعبي العراقي بالإضافة إلى الثقافة
الحديثة القادمة من الخارج والمستخفة بالإنسان العراقي وبقيمته وكرامته، كلها أشاعت
في نفوس العراقيين ثقافة الحزن والتشاؤم واحتقار الذات والفرقة والمنافسة. وأسطع
مثال على هذا، ما تحتويه معظم أغانينا من تكرار للشكوى من العذال وحسد الناس،
والتباهي الساذج بالمذلة وتعذيب النفس من أجل الحبيب!؟ إن هذه العقلية السلبية ظلت
سببا أساسيا للخراب الدائم الذي تعيشه أمتنا.
لهذا فإن ضميرنا يدفعنا إلى:
ـ تشجيع المثقفين ورجال الدين، من أجل إعادة النظر في
الثقافة الشعبية والحديثة السائدة: أغانينا وأمثالنا وحكاياتنا وفنونا وطقوسنا
وحتى أزيائنا ومناسباتنا. علينا أن ننقد الجوانب السلبية الانهزامية والانعزالية
من ميراثنا وثقافتنا، ونشجع الجوانب الإيجابية والتضامنية. إن غربلتنا الواعية
لثقافتنا وميراثنا، نابع من إيمان عميق بأن اليأس من الخير يجلب الشر، واليأس من
الحياة يجلب المرض والخراب. كذلك إن الايمان بالمستقبل المنير رغم ظلامية الحاضر
هو سر نجاح الإنسان أفرادا وشعوبا في تحقيق الحياة الكريمة.
ـ خلق
ثقافة وطنية حديثة متحررة من عقدة التبعية للثقافة الغربية. ويكون هذا بإحياء
الثقافة العراقية الأصيلة ودراسة ميراثات فئات الوطن الاقوامية والدينية والمذهبية.
ـ ندعو بصدق إلى احترام ميراثنا الإسلامي بمختلف
مذاهبه، والدعوة إلى الاجتهاد بتفسيره وتطبيقه بما يناسب واقعنا ويساعد على
التقارب بين المذاهب المتنوعة.
ـ الاهتمام بدارسة باقي الميراثات الدينية لأمتنا:
المسيحية والصابئية واليزيدية والكاكائية وغيرها. ثم تشجيع الحوار بين أديان ومذاهب الوطن، وتكوين اللجان وإصدار
النشريات الخاصة بذلك.
ـ من أجل التخلص من الهيمنة الأحادية للفكر الغربي، نحن
نعمل على الانفتاح على الميراث المعرفي الآسيوي (الصيني والهندي خصوصا)،
والاستفادة من طرقه الطبية والرياضية والتأملية، مثل (الأدوية الهندية) و(الإبر
الصينية) و(تمارين اليوغا) وطرق (العلاج الطاقوي)، وغيرها من
الأمور المفيدة لمجتمعنا، والتي لا تتعارض مع ميراثنا الديني والضميري.
14 ـ الإيمان بالعدالة الاقتصادية والاجتماعية:
إن تجارب البشرية في القرون الأخيرة، قد أفرزت نوعين من
الأنظمة الاقتصادية السياسية، هي الرأسمالية والاشتراكية. الاشتراكية (الشيوعية)
القائمة على أساس تملك الدولة لكل قطاعات الإنتاج والثروة، قد أثبتت فشلها، بسبب
شيوع البيروقراطية وفقدان الديمقراطية. كذلك تجربة الأنظمة الرأسمالية القائمة على
أساس التملك الفردي، لا زالت تثبت خللها إن لم يكن فشلها، بسبب هيمنة القوى
المالكة للثروة على مقدرات الحياة والإعلام والعقل، وهذا ما يضعف من (ثقافة
التعددية) ويشوه العملية الديمقراطية.
إننا مثل الكثيرين من أبناء المعمورة من الرافضين لهذين
النظامين، نطمح إلى إيجاد نظام وسط، يجمع ما بين (مساواة الاشتراكية) و(ديمقراطية
الرأسمالية). لهذا فإننا بالنسبة لوطننا نطمح إلى الإصلاحات التالية:
ـ اعتبار الثروة النفطية، ثروة الشعب العراقي بأكلمه،
وليست ثروة الدولة وحدها. لهذا ندعو الى جعل هذه الثروة تحت رقابة الدولة
والمؤسسات المدنية بنفس الوقت، ورفض ان تبقى تابعة لسيطرة الدولة وحدها والتعتيم
على ارقامها وتفاصيلها. اننا نطالب بتكوين( الهيئة الوطنية العليا لادارة الثروة
النفطية) وتتكون من ممثلي الحكومة ومممثلي هيئات المجتمع المدني.
ـ تشجيع ثقافة التضامن الاجتماعي والإحسان الديني،
وتكوين المؤسسات الرسمية التي تراقب وتسثمر أموال الزكاة والخمس والأوقاف. وإقرار
برامج الدعم الاجتماعي ومجانية التعليم والعلاج الصحي ورعاية الأطفال والمسنين.
ـ تكوين صناديق تعاونية لذوي الرواتب والدخل المحدود،
من أجل الاستثمار في الحياة الاقتصادية، وتكوين مؤسسات اقتصادية كبرى مملوكة من
قبل ذوي الدخل المحدود.
ـ إقرار قوانين الضمان الاجتماعي وأجور العطالة وضمان
راتب الحد الأدنى لكل فرد وعائلة من العاجزين عن العمل.
ـ فرض القوانين التي تجبر أرباب العمل على إشراك
العاملين والموظفين في الزيادات الحاصلة في الأرباح.
ـ إصدار القوانين التي تحدد السقف الأقصى لكمية الملكية
والثروة، كذلك فرض الضريبة التصاعدية حسب تصاعد كمية الثروة.
15 ـ إعادة كتابة التاريخ العراقي:
إن من أكبر المشاكل النفسية والعقلية التي يعاني منها
الإنسان العراقي، هي سوء علاقته مع حاضره وانفصامه عنه بسبب سوء علاقته مع ماضيه
وانفصامه عنه. إن التشويه القومي العنصري والديني لتاريخنا الوطني، جعله لا يعترف
بغير المرحلة العربية الإسلامية من التاريخ العراقي، واعتبار باقي العراقيين
(أكراد وتركمان وسريان وفيلية ويزيدية وصابئة ويهود وغيرهم)، غرباء عن وطنهم
وجذوره القديمة. الأنكى من هذا، هنالك أيضا التشويه الطائفي ضد الشيعة الذي أدى
إلى اعتبار الجزء الأعظم من تاريخ العراقي الإسلامي وحضارته العباسية، أعجميا
غريبا بسبب علاقته بالتشيع. إننا نعمل على دراسة تاريخ بلادنا وإعادة كتابته بصورة
تخلصه من تشوهاته السياسية العرقية والدينية والطائفية المنافية للوحدة الوطنية،
والتأكيد على ديمومة هذا التاريخ منذ القدم وترابط جميع مراحله المسمارية
والمسيحية والإسلامية والعثمانية والحديثة، وإبراز دور جميع فئات الوطن الأقوامية
والدينية والمذهبية بصنع هذا التاريخ. كذلك التأكيد على الجوانب الإنسانية من
تاريخنا وتجنب الطروحات العنصرية التي تحض على الكراهية والعنف ومعاداة الشعوب.
وعلى الله العطوف الرحيم وعلى الضمائر الحية، ليتوكل
المتوكلون..