قصة سلالة الحقد..
سلالة الحب..!!
رسالة الابن إلى أبيه
أبي العزيز،
تحية ذكرى وشوق،
رغم موتك منذ أعوام طويلة، أعرف أنك قادرٌ على سماعي
وقراءة رسالتي هذه. أتتذكرني؟.. أنا ولدك الطيب المشاكس. أودُّ فقط يا أبي أن
أبشرك، بأني بدأت أسامحك. ها أنا في أعوام النضوج، بدأت أدرك سرَّ قسوتكَ معي. كل
ما كنت تكيله لي من عذابات، كانت في الحقيقة بعضاً مما تلقيته أنتَ من عذابات
الأهل والزمان. كنتُ فيما مضى، عندما أنظر إلى آثار ركلاتك وصفعاتك وحروقك وشتائمك
ومذلاتك، في نفسي وبدني، كنتُ أبكي يا أبي، أبكي حزناً على نفسي. الآن أنا أيضاً
أبكي، لكن ليس من أجلي أنا، بل من أجلك أنت، لأني عرفت أنك عندما كنت تعذبني، كنتَ،
في الحقيقة، تعذب نفسك التي لم تعرف غير الحقد والإذلال. أعرف أنك كنتَ تحبني،
وكنتَ تبكي ألماً بعد كل حفلة عذاب وإذلال تعرضني لها. أعرف يا أبي أني كنتُ
أحَبُّ أبنائك إليكَ، ولهذا كنتُ أكثرهم تعرضاً لعذابك.
لقد أخبرني أهلي، أنك في آخر لحظات احتضارك على فراش
الموت، كنتَ ترددُ اسمي شوقاً وأسفاً، لأن مجاهل المنفى قد سرقتني منك، ولم يُتِحْ
لك الموت أن تعتذر مني، وتشرح لي سرَّ عذاباتك.
الآن أدرك يا أبي، أن تعذيبك لي نابع من عذابك أنت. نحن
سلالة حقد يا أبي، أليس كذلك؟ أتذكر، رغم طفولتي، كنتُ أدرك أنك تنزف سيولاً من
العتاب المرِّ لأبيك الذي كان مثلما أنت معي، لم يرحمك، وهو بدوره لم يتلقَّ رحمة
من أبيه. كنت، بعد أن يهدأ غضبك، تناديني، تعتذر لي، وتغسلني وتداوي ندباتي وتقدم لي الطعام،
ثم تنشج بغناء جنوبي حزين، يجعل الدموع تترقرق في عينيك.
نعم يا أبي، كنت بحقدي عليك، مخلصاً لك، بحقدك أنت على
أبيك، الذي كان هو أيضاً مخلصاً بحقده على أبيه. نحن كما ترى يا ابي، سلالة وفية
لحقد وعذاب واذلال..
عرفت يا أبي، أن جدي الخامس، في القرن الثامن عشر، هو
أول من أسس سلالتنا اللعينة: كان شاباً متمرداً يعيش في البصرة، وقد قتل أبيه خطأ،
في لحظة غضب، بعد أن رفض أن يساعده في الزواج من حبيبته التي تزوجت غيره. أصيب
بلوثة من الغضب على الحياة ومشاعر إثم ضد الذات وضد كل ما هو عزيز. هرب إلى أهوار
العمارة، وهناك دخل في خدمة الشيوخ، وعاونهم في اضطهاد الفلاحين، حتى أصبح (ملا)
و(تاجر حبوب)، وتزوج عدداً من النساء، وخلف عشيرة من الأبناء والأحفاد.. لكنَّ
حقده على ذاته، كان يجعله يحقد على أبنائه، وخصوصاً على أقرب أبنائه إليه. هكذا
تكوَّنتْ سلالتنا..
هذه هي سنة الحياة، أحفاد يتوارثون الحقد عن أسلاف عاشوا
الحقد.. كما هناك على الأرض، ثمة أحفاد يتوارثون الحب عن أسلاف عاشوا الحب..
أمضيت السنوات، وأشد ما كان يرعبني يا أبي أن أكون
شبيهك، وريثك في الحقد على الذات والحياة. أنت هجرت أهوار الجنوب، وعشت في بغداد،
وكان حقدك على أبيك هو محركك في الحياة. أصبحت عسكرياً، وأمضيتَ عمركَ متنقلاً من
حرب إلى حرب. وعندما هدك العمر، افتتحتَ حانوتاً بائساً، ورحتَ تمارس حربك على
أبنائك، وقد اختارتني الظروف كي أكون خصمك الأول، وصار بدني وروحي محط حقدك
وإذلالك.
أما أنا يا أبي، فمثلك، هجرت مستنقعات الوطن، متاهات
بغداد ومأوى حبي الأبدي، ورحلتُ إلى أوروبا. وأمضيت العمر وأنا أكافح كي لا أكون
مثلك. لكن ذلك الحقد الذي ورثته عنك، كان هنا في كياني، مشتعلاً في كل خلية من
روحي وبدني، وفي كل ذرة من وجودي..
حقد دامٍ مجنون منفلت بلا حدود، مستحوذ عليَّ مثل عفريت عملاق يخنقني بكفيه بلا
رحمة.. نيران الحقد المكبوت هذه، كانت تحرقني، كانت تعذبني.. آه يا أبي، لو تعرف،
هنا في أوروبا، بعيداً عن أهوار عذابك وبغداد خيبتك، كم جاهدتُ واستزفتُ وذرفتُ
الدموع لكي أترك حقدي في داخلي. كانت أخبار الوطن، كوارث الحروب واحتضارات الحصار،
نفطاً يصب على نيران حقدي. كنتُ أصرخ وأصرخ وأصرخ، متمرغاً في الأرض، لكي أمنعه من
أن ينفجر ضد أعزائي. كان الليل عندما يحل، تحل معه أشباح ماضيّ وذكريات آلامي معك،
فكنت أخاف من نفسي على نفسي، ومن دون تفكير، كنت أهرب، أهجر الأهل والأصحاب، أثمل
وأتسكع وحيداً، حزيناً في الحانات، وعندما أحس بالحقد يتصاعد إلى حدوده القصوى،
كنتُ أرقص وأرقص. لقد خضتُ جميع حروب أسلافي، قاتلت غزاة تاريخي، خنقت بيدي هاتين
أعظم الطغاة والجبابرة، نزفت تحت أنظاري حشود لا تحصى من الضحايا، وعلى صدري
الحزين ذرفت دموعها حشود من العشيقات والأحبة.. كل هذا كنتُ أعيشه في باحات الرقص،
وحيداً مع حقدي، بعيداً عن أصدقائي وأحبتي، لكي أجنبهم حرقة نيراني.
* * *
ولكن يا أبي، بعد تجارب العمر هذه، أودُّ أن أخبرك بألم
وخجل، أني قررت أن أخونك، أن أخون سلالتي، سلالة الحقد تلك..
قررت أن أتمرد عليكم.. أن أخلق سلالتي الجديدة، أنا
وحدي بعيداً عن حقد الأسلاف وعذاباتهم وإذلالهم. قررت أن أخلق حب مستقبلي من حقد
ماضي.. أن أنبت شجرة حبي لأحفادي، في أرض حقد أسلافي.. نعم يا أبي، أقسم لك بحقدي
الأصيل ضدك، إني من الآن فصاعداً سوف أخلق سلالة حبي الأزلية.
أعلم يا أبي، أن هذا القرار لم يأتني هكذا فجأة، بل
توصلت إليه بعد معاناة وحشية، كادت أن تؤدي بحياتي. هنا في منفاي في أوروبا، أمضيت
أعوام التسعينات جميعها، في متاهات من الجنون المكتوم. وبلغت العذابات ذروتها، حين
بدأ ذلك المرض الخطير يجتاح كياني ويتركز في حنجرتي. كم هي مسكينة حنجرتي، كم
تحملت من حرقة صرخاتي، حشرجة غضبي، حمحمة حسراتي، عذابات انفصامي بين نفسي
المتمردة وعقلي المؤدب. بقيت سنوات وأنا أواري بحة حنجرتي وأعلل الأمر بأنه علة
عابرة.. حتى أتى اليوم الذي اضطررت فيه إلى مواجهة تلك الحقيقة المرعبة: (سرطان
الحنجرة)!!
حينها فقط، أدركتُ الحقيقة التي أمضيت السنين الطوال
وأنا أهرب منها:
ـإما أن أواجه حقدي وأتقبله وأدجنه، مثل حيوان متوحش..
وإما أن أتركه هكذا يجول ويصول داخلي؛ حيث تمكن من القبض بمخالبه على حنجرتي بهيئة
سرطان لا يرحم.. وهذا يعني لا محالة موتي المحتم..
لم يكن أمامي غير أن أستعين بتلك الطاقة الجبارة التي
كنت أستصغرها بسبب اختباصي بحقدي:(طاقة الحب..).. كما نستعين بالمياه لإطفاء
النيران، قررت أن أستعين بالحب لإطفاء الحقد. وإن نجحت في ذلك، حينها ستنطفئ معها
نيران السرطان المتأججة في كل بدني والمتمركزة في حنجرتي.
عرفت أن مشكلتي، هي في أني كنت أفكر فقط في محبتي
للآخرين.. أما أنا نفسي ذاتي، فكنت أتركها ضحية لحقدي.. كنت أعتقد أن توجيه نيران
حقدي ضد ذاتي هو السبيل الوحيد لتجنيب أحبائي هذه النيران. لكني بعد اكتشاف
المصيبة فقط، أدركت أن هذا كان نصف حلّ، وها أنا أواجه نتائجه المميتة. إن الحل
الحقيقي، يكمن بمواجهة الحقد كله، بطاقة الحب كله، وخصوصاً حبي لذاتي وحبي للحياة
بأكلمها. فمن دون حب الذات لا يمكننا أبداً أن نحب الحياة ومعها أحبتنا وناسنا. إن
التضحية بالذات، لا بدَّ أن تنتهي بالتضحية بالحياة ومعها ناسنا وأحبتنا. فما معنى
محبتي لأهلي وناسي، إن كنت سأفقد حياتي؟! إن محبتي لناسي تقتضي حبي لذاتي، كما حبي
لذاتي هو مدخل حبي للناس وللحياة.
بالتدريج قادتني هذه الحقيقة، إلى حقيقة خفية، لم أنتبه
لها من شدة وضوحها: إن حقدي كان موجهاً ضد ذاتي، ليس فقط بدافع أخلاقي حباً
بأحبائي، بل لأني في أعماقي، كنت أعتقد بأني مجرم آثم، وأن كل عذاباتك يا أبي التي
كنت تصبّها على كياني، كانت بسببي أنا.. أنا الجلاد، أنا حمَّال الخطيئة الأولى ومسبب عذاباتك يا
أبي، وأني كنت أستحق عقابك وأكثر.. نعم يا أبي، إن جريمتك الكبرى ضدي، لم تكن فقط
لتعذيبك إياي، بل لأنك نجحت بصورة باهرة في أن تقنعني، وأنا الطفل الطيب البريء،
بأنك تتعذب بسببي أنا، بسببنا نحن أبناءك.. لا زالت حتى الآن صرخاتك تصدح في
أعماقي وأنت تشكو إلى الناس وإلى الله بأننا نحن أبناءك نسلُ كفر وعار، لأننا
نتنكر لتضحياتك من أجلنا، وأنت الرجل الفقير المسن، تكد ليل نهار من أجل إشباعنا،
ونحن لا نكف عن خيانتك.. طبعاً كل هذه الأفكار كانت محض خيال من قبلك، فنحن في
الحقيقة كنا ضحيتك، لأنك أنت نفسك كنت ضحية لنفسك ولسلالة الحقد التي نسلتك.
إذاً، بالتدريج، وقبل أن أغفر لك يا أبي، بدأت اغفر
لنفسي واقنعها بأني أبداً لم أكن آثماً ضدك. هكذا مع الأيام تمكنتُ من التصالح مع
ذاتي، ثم التصالح معك يا أبي، ثم مع الحياة جمعاء. مع إدراكي لهذه الحقيقة، بدأ
إحساسي بذاتي وبالحياة تختلف بالتدريج. حينها فقط، بدأ يسري في كياني نوع من
الشعور بالسلام، كأني لأول مرة في حياتي أشرع بتوقيع أولى معاهدات الهدنة، لوقف
حروبي ضد ذاتي وضد الكون بأجمعه.
مع الأيام، ومع استتباب الآمان في روحي، ومع العلاجات
الطبية والروحية العديدة التي اتبعتها، بدأ السرطان يختفي من بدني، مع اختفاء
نيران الحقد من روحي. منذ اكتشاف المرض، هجرت الخمرة والدخان وعلب الليل وأصدقاء
السوء، ورحتُ بين حين وآخر، أعثر على أي خلوة في غابة أو عند شاطئ البحيرة، لكي أطلق عنان غضبي
الموروث على شكل رقص معتوه وصرخات عاوية كذئب جريح، أو أذرف دموع الحزن وأنشج في
نحيب مرٍّ كطفل مهجور، وصورتك يا أبي لم تفارقني أبداً، لكنها هذه المرة لم تكن
مغلفة بالحقد وحده، بل راحت تأتيني مصحوبة بعطف وغفران.
هذه هي حكايتي معك يا أبي، ومع نفسي المعذبة. الآن بعد
أن تخلصتُ تماماً من السرطان ومن حقدي الموروث، أشعر بأني فعلاً قد بدأت حياة
جديدة بكل معنى الكلمة. صدقني، أحس وكأن حياتي الماضية، قد عشتها في حياة سالفة،
أو أني سمعتها من إنسان غيري.
لهذا يمكنني أن أقولها الآن وبكل ثقة: إني فعلاً لقادر
على أن أنفذ العهد الذي قطعته على نفسي: أن أشرع في تكوين سلالة جديدة، سلالة حب!
الوداع يا ابي، الوداع لك ولاسلافي، ولكم مني كل المحبة
والغفران..
جواب الأب لأبنه
ولدي العزيز،
رسالتك قد وصلتني. رغم أني هنا منذ أعوام في عالم
الغيب، إلا أني أبداً لم أنقطع عن التفكير بك ومتابعة أخبارك بين حين وآخر. كنتُ
في كل فرصة، أستميح العذر من إله الرحمة، ليسمح لي أن أزورك. لم يكن خيالاً طيفي
الذي كان يتراءى لك أثناء ثمالتك واشتداد حزنك في ساعات وحدتك الليلية، بل كنتُ
أنا حقيقة، روحي أنا يا ولدي. كنتُ بكل ما أمتلك من قدرات محدودة أحاول أن أمسح
عنك حزنك، وأخفف من عذاباتك وأشارككَ بكاءكَ المرير الذي كان يعذبني أكثر منك.
كنتُ عندما أعود إلى عالم غيبتي، أستجير بإلهي أن يساعدك، أن يمنحني الفرصة لكي
أساهم في التخفيف من عذاباتك التي كنت أنا مسببها الأول.
كم حاولتُ أن أزرع فيك أفكار الخلاص من وضعك هذا،
واحتراق ذاتك بنيران شعورك بالإثم. كانت نصائحي يا ولدي التي أبثها في روحك بواسطة
طيفي، تؤثر فيك وكنت تأخذ بها، لكن كنتَ سرعان ما تنتكس مع عودتكَ إلى الخمرة
والتيه في علب الليل.
أنت لم تدرك يا ولدي، كم مرة ساهمت بإنقاذك، عندما
حاولت أن تنتحر، فآتي أنا وأهمس في روحك كلمات الأمل والتفكير بأحبتك الذين
ينتظرونك.
اسمح لي الآن أن أكشف الحقيقة، التي لم أتجرأ على كشفها
لك، إلا بعد أن تيقنتُ من خلاصك التام من مرضك ومن حياتك الماضية: أنا الذي طلبتُ
من الله أن يسارع بنشر السرطان في بدنك. حسب معرفتي الجيدة بشخصيتك، راهنت مع
نفسي، أن هذه التجربة المرعبة والحاسمة وحدها لقادرة على دفعك على أن تحسم موقفك
تماماً مع شبح الماضي المهيمن علي روحك. أن تثور على هذا الوضع البائس الذي كبلتَ
نفسك في شرنقته الجهنمية.
أثناء المرض لم أكن أفارقك حتى لحظة واحدة، كنت معك،
أواسيك، أهمس فيك كلمات الأمل والمحبة، أحثُّكَ على التغيير، أرددُ على لسانك
كلمات التفاؤل ومحبة الذات والحياة.
لا يمكنك أن تتصور يا ولدي مبلغ السعادة
التي تغمرني الآن، وأنا أشاهدك هكذا في بحبوحة حياتك الجديدة. أنا معك تماماً في
قرارك بأن تبني سلالة جديدة قائمة على الحب وليس الحقد.
لهذا يا ولدي، قد رجوت الله أن يساعدني كي أساعدك أنا
نفسي بتحقيق مشروعك، ولقد استجاب الله لدعائي، وها أنا ذا أزفُّ إليك البشارة،
التي لم تكن تتوقعها أبداً:
هل تتذكر يا ولدي منذ ليلتين، أنك قد عاشرتَ زوجتك،
وتمنيت في أعماقك أن يرزقك الله بابنة.. أليس كذلك؟
اعلم يا ولدي. لقد استجاب لك الله وزرع بنتاً في رحم
زوجتك.. واعلم خصوصاً أن هذه البنت سوف تكون أنا.. نعم أنا لا أمزح، لقد وافق الله
على أن تهبط روحي في بدن البنت، لأكون أنا ابنتك القادمة.. هكذا أكون أنا أول
أبناء سلالة الحب.. كما كنت آخر آباء سلالة الحقد. أما أنت فتظل الابن والأب،
الوسيط الفاصل، الذي انتهت به سلالة عتيقة، وبدأت به سلالة جديدة.. إلى اللقاء
القريب يا ولدي الحبيب .. ويا أبي الطيب..
ـــــــــــــــــــــــــــــ