حكاية عراقية

السيدة الخرساء وقصر العزلة

سليم مطر ـ جنيف

http://www.salim-matar.com/

 

 

اثناء زيارتي لبلادي في نهاية عام 2003، بعد غياب اجباري دام بالضبط 25 عاما، سرد لي صديق هذه الحكاية العجيبة وقد عايشها هوعن كثب، ولم يخطر ببالي ابدا ان اعايشها انا بدوري وتقع خاتمتها على رأسي!

كان هذا الصديق ولنسميه(ص) من معارفي القدماء ايام شبابي الاولى قبل هجر الوطن. علاقتنا بدأت اوائل سبعينات القرن الماضي، اثناء نشاطنا في احد الاحزاب اليسارية. اتذكر اننا اثناء حملة الحكومة ضد اليساريين اواخر السبعينات، اتفقنا على الهرب من الوطن سوية، لكنه ظل متلكئا خائفا حتى القي القبض عليه، بينما انا بقيت فترة مختفيا، الى ان تمكنت من هجر الوطن نهاية عام 1978. منذ ذلك الحين انقطعت الاتصالات بيننا. لكني سمعت انه قد خرج من السجن بعد اشهر، حيث وافق على  الاعتراف والتوقيع على تخليه عن حزبه. ثم اصبح عضوا في حزب البعث، وتدرج في التنظيم وتقلد مسؤوليات عديدة في الاجهزة الاعلامية. كنت اتابع اخباره بين حين وآخر، اما من خلال اصدقائنا القدماء، او من خلال نتف الاخبار الصحفية التي كانت تنشر صورته كمسؤول اعلامي وحزبي مهم. في اواخر اعوام التسعينات، سمعت انه هجر العراق والتحق بالمعارضة. حاولت كثيرا الحصول على  وسيلة للاتصال به في الخارج، لكني لم انجح. سمعت انه هو كذلك كان يبحث عني، وكدنا ان نلتقي يوما في عاصمة عربية، لكن سوء الصدف، حالت دون ذلك. اخيرا تم الامر بعد سقوط النظام، حيث اتصل بي من بغداد ليخبرني بأنه قد عاد الى الوطن مع المعارضة ليتقلد من جديد نفس منصبه الاعلامي السابق، لكنه هذه المرة كان ينطق بخطاب جديد عن (الديمقراطية وحقوق الانسان وجيوش الحلفاء)! اصر على دعوتي للالتقاء به في زيارتي القادمة الى الوطن.

ها انا البي دعوة صاحبي(ص) لاستعيد معه ذكريات ماضينا المشترك. بعد ايام من عودتي، عندما كنت جالسا معه في احدى مطاعم بغداد، فجأة لكزني قائلا:

ـ شوف هذا الرجال.. شوفه قبل ما يروح..

عندما نظرت بالاتجاه المقصود، لمحت رجلا  طويل القامة يرتدي معطفا اسود غالي الثمن رغم الاهمال الذي عليه. بدى شعره سرحا كثيفا يلمع بشيب فضي جذاب تشوبه القذارة. له شارب رقيق منمق، ووجهه شاحب بصفرة مرضية حادة مليئة ببقايا جروح لم تلتئم بعد، وشارب فضي رفيع انيق  يناسب بشرته البيضاء بذلك اللون الحليبي الذي يتسم به ابناء الطبقة العليا الذين لم تمس بشرتهم الشمس. عيناه بدتا من وراء النظارة الطبية تعبتان متورمتان رغم الق عتيق وبقايا نظرات جريئة وقحة. لم استطع ان اقدر عمره، لكنه يظهر في الخمسينات. من الواضح انه كان في زمانه نجما وسيما من ابناء المجتمع الراقي، رغم الانحطاط الصحي والنفسي البادي عليه.

بعد المطعم لبيت دعوة صاحبي(ص) لتمضية تلك الليلة في بيته الواقع في اطراف بغداد، على امل الاستماع الى حكاية ذلك الرجل الذي ظلت صورته عالقة في ذهني لسبب لا اعرفه.

فوجئت ان بيت صديقي ما هو إلا قصرا شامخا في وسط بستان شاسع كثيف مطل على نهر دجلة. طيلة الليل وحتى اطلالة الفجر، رحت استمع الى تلك الحكاية ونحن مستلقون في احدى غرف القصر مفترشون ابسطة الحرير وقربنا مدفئة غازية تمنحنا الدفئ في برد كانون القارص. رغم ان (ص) قد اصبح متدينا يصوم ويصلي، الا انه ظل متسامحا في الكثير من الامور، فقد فتح امامي صندوقا في الحائط كان عبارة عن (بار) يحتوي على عدد كبير من قناني المشروبات الكحولية الاجنبية والراقية جدا، وهو يخاطبني مبتسما:

ـ يا عزيزي .. مثما تعرف آني والحمد لله متوقف عن الشرب، لكني اقدر امزمز وياك شوية، احتفائا بلقائنا التاريخي.. ارجوك.. اخدم نفسك مثلما يعجبك..

فوجئ عندما اخبرته بأني متوقف تماما عن الشراب والتدخين، لاسباب صحية.. لهذا اتفقنا على تناول الماء والشاي. فظلت طيلة المساء والليل تعبق في المكان نكهة الشاي العراقي المحلى بالهيل، مع انواع الحلويات.

لولا ثقتي بصديقي(ص) ويقيني بأنه يقول الحقيقة التي سمعها وعرفها، لما صدقت قصة ذلك الرجل الغريب الاطوار المدعو(س) مع تلك السيدة الغامضة العجيبة.. اسمعوا إذن هذه الحكاية:

 السيد(س)، كان شخصية مرموقة ايام البعث. مهنته  الحقيقية هي (السمسرة) أي بصورة ادق(تاجر غواني)! ولكنها تظل مهنة كان معروفا بها في وسط ضيق، اما في الوسط العام فكان يشتهر بصفات اخرى اكثر احتراما: مثقف ذائع الصيت، حزبي كبير، رجل اعمال بارز، مسؤول دولة مهم.. وهي مهن قد زاولها حقا، لكن مهنة ( السمسرة) تبقى هي المهنة الحقيقية الثابتة والاصيلة التي زاولها رغم سريتها وكتمانها عن عموم الناس. 

من الواضح ان(س)، بعد سقوط النظام السابق، يعيش شتاء حياته بعد ان تبدد مجده مع تبدد الدولة التي رعته. لكن المقربون منه يعرفون ان عذابه لم يكن لهذا السبب وحده، بل بسبب آخر مسه في الصميم من روحه، الا وهو فقدانه لأعز انسانة على قلبه، تلك (المرأة الخرساء) التي بغيابها فقد كل اسباب البقاء في دنيا صارت غبراء لا يذق منها غير مشاعر حسرة ونقمة وعار. كل الذي اصابه بعد الاحتلال من تدمير قصره واغتصاب املاكه وحرمانه من جاهه وسلطانه وتشريده وتحويله الى حطام انسان.. كل هذا ما كان يهمه ولا آلمه، لو انهم تركوا له تلك ( الخرساء)!

كان لقائه بها قد تم في ظرف خاص جدا. بعد حرب الكويت في يوم ربيعي من عام 1991، كان(س) في زيارة شخصية لصديقه(ن) مدير شعبة مكافحة التجسس في دائرة الامن العامة. عند باب المكتب لمح صاحبنا سجينة تمرق من امامه خارجة وهي مكبلة المعصمين يقودها شرطي. هكذا خطفت ومسته بلا اهتمام. خلال لحظات قابل وجهه وجهها فتقابلت نظراتهم. شعر حينها خلال زمن قد لا يتعدى ثانية واحدة، ان برقا قد توهج في روحه. لا يدري ما الذي اثاره فيها.. لعلها نظراتها؟ رغم سكون ووجع ظاهر عليها، إلا انه خلال تلك اللحظة احس فيها وهجا من كبرياء. دون وعي منه زفر وكاد يصرخ بها، إلا انه سخر وتمالك غضبه.  ظاهريا لم تكن تتميز بأي خصلة تجلب الانتباه. كانت امرأة عادية، يمكنك ان تجد ملامحها في الكثير من نساء العراق. وجه حنطي وعيون عسلية وشعر حني وقامة تميل الى الطول.

خلال لحظات، تناسى(س) المسألة عندما انطلق صديقه المدير بضحكته العالية المرحبة، وهو يترك مكتبه ويتقدم ويحتضنه. رغم بعض الهاجس الذي كان يتردد خافتا مكبوتا في صدر(س) ويدفعه الى السؤال عن شخصية تلك المرأة، الا انه سرعان ما إنغمر في لجة الحديث مع المدير الذي كان ذا شخصية مزاجية متقلبة. تراه في نفس الوقت يمتلك طاقة غضب وحقد تجعله ينهار على المعتقلين تعذيبا حتى الموت، فأنه سرعان ما يستريح ويتناول الهاتف ليلاطف ابنته المشلولة ويبث كلمات حنان لزوجته، ثم ينادي احد مساعديه الجلادين ليسأله عن احوال عائلته ويساعده في حل مشاكله ويشاركه في احزانه!

امضى (س) زيارته العادية الى صديقه وعاد الى الدار. لكن الليل عندما يحل يصيب التعب حراس العقل فينسحبون تاركين  خبايا النفس تنهض من اعماق سجنها لتجول في كيان الانسان على هواها. لقد عاف النوم السيد(س). اول الامر لم يفطن الى السبب. ثمة مشاعر غامضة بدأت تبعث في دواخله كآبة ثقيلة. حنين الى مجهول وتأنيب ضمير إزاء خطايا منسية. بقي يتقلب مثل محموم. وسط العتمة رأى على السقف وجه تلك السجينة مرسوما بضلال وخيوط ضوء. حاول ان يسخر من الامر:

 (( انا الرجل العابث القابض بكفي على حشود نساء من مختلف الاشكال والاجناس واجهل حتى اسماء الكثير منهن.. كيف لسيدة مجهولة سجينة عادية وضيعة ان تحرمني من نومي))؟!

سيدة لم يشاهدها اكثر من لحظة واحدة، مرقت مثل برق خاطف لا يمكنه ان يترك اثر في سماء روحه. قال، لعله في الحقيقة غاضب من ذلك الكبرياء الكامن في نظرتها الخاطفة، اور بما من تجاهلها له، او ربما من ذلك السكون الواثق الذي تنطق به ملامحها!؟ لكن الوجه راح يتكرر في  انحاء الغرفة، على السقف وفوق الجدار وحتى على الارضية. وعندما اغمض عينيه انبثق في داخل رأسه وجه نسوي حنطي عادي، اليف قريب الى القلب.. عينان عسليتان متوهجتان مثل نجمتين.. انف منساب مثل درب .. شفاه نحيفة بليلة مثل ساقيتين.. اما شعرها، فقد غمر وجهه بمويجات نسيم ساحر انساب في دمه.

ها هو السيد(س)، وحيد على سريره وسط  ظلام قصره، كطفل مهجور مرتعش منكمش على نفسه!

لم يكن امامه غير ان يترك غرفته ويجلس في الشرفة. كان بيته الذي يسميه( قصر العزلة) في منطقة(ج) في اطراف بغداد. على مرتفع يطل على نهر (دجلة) محاطا ببساتين نخيل وحمضيات كثيفة، وامامه عند الضفة المقابلة تمتد مزارع حنطة وعباد شمس خلال عدة اميال لتنتهي ببادية على مدى البصر. في عتمة تلك الليلة البليلة بضياء بدر وهاج بين نجوم.. هناك لاح وجه السجينة!

امضى السيد(س) ساعات في الشرفة مع السكائر والخمرة وهو كئيب قلق غاضب حائر. لاول مرة، بعد غياب طويل، تعود اليه تلك المشاعر التي طالم عانى منها ومقتها ونجح بالتخلص منها في الاعوام الاخيرة: مشاعر عار وإثم لأنه لم يهتم بمعرفة مصير تلك السجينة!

 كيف اتيح لتلك المرأة النكرة ان تغزوه هكذا في عقر روحه.. تحرمه من نوم وسكينة؟!

راح يلوم نفسه لأنه لم يرد عليها.. كان على يقين بأنه لو نتر بها ، دفعها  احتقارا، او على الاقل نظرها شزرا، لما تسربت اليه مثل هذه المشاعر المتعبة..

*    *    *

  فجأة انقطعت الحكاية مع انقطاع الكهرباء وانتشار الظلام في الغرفة وفي انحاء القصر. عندما قام صاحبي(ص) ليجلب المصباح، قمت انا وفتحت الشباك لاتطلع في ظلمة الخارج. كان الصمت يخيم على البستان ولا تتخلله غير اصوات مويجات دجلة القريب وزقزقة حشرات وهفيف خافت لسعف نخيل تتلاعب به الريح. عدت الى مكاني بعد ان عاد صاحبي ومعه مصباح غازي نور المكان، وهو يعتذر عن عطل (مولدة الكهرباء) الخاصة بقصره، بسبب المطر. ثم افترشنا الارض وعاد الى حكايته:

 قبل ان تستغرب معنى تأثر(س) بنظرات كبرياء خاطفة اطلقتها سجينة مجهولة، وخصوصا وهو في مهنة اشد ما تكون بعيدة عن العواطف الرقيقة ولا مشاعر الكبرياء.. يجب ان نعرف ان السيد(س)، رغم انه ( سمسير) محمل بخطايا مهنته التي لا تعد ولا تحصى، اقلها الكذب واكبرها الاسهام بجرائم اغتصاب وتعذيب وقتل.. لكنه ايضا امتلك ما يكفي من الثقافة والذكاء ما يجعله قادرا على فلسفة مهنته بحيث انه كان يعتبر نفسه، إن صح القول: شريفا!

يقينا ان هذا الوصف يدعو الى السخرية ، لكنه حقيقي. فهو يعتبر نفسه شريفا لأنه احب مهنته وجهد لاتقانها والابداع بها، بصورة لا تخطر على البال. ثم انه لم يشعر بحياته بانه ضحية، بل على العكس فانه يعتبر نفسه اشبه بطبيب مشرف على علاج ضحايا . كما كانت تردد احدى بناته(نقصد احدى الغواني العاملات معه):

 ـ ((احنا ابدا مو مرضى ولا نستحق الرعاية والعطف..المرضى الحقيقيين  اللي يستحقون الرعاية والعطف هم الرجال اللي يعانون الكبت والحرمان فيجون إلنا إحنا ممرضات اللذة، حتى نعطيهم ما عندنا من علاجات.. أي عيني .. السمسار طبيب لذة واحنا البنات ممرضات علاج طبيعي، وزبائننا مرضى حرمان وكبت))!!

باكرا في الصباح توجه(س) الى دائرة الامن. وجد صديقه المدير تعبا قليلا وقد انتهى توا من وجبة تعذيب صباحية قبل الفطور. سرد عليه بكل صراحة حكاية ارقه وعذابات ليلته. ضحك المدير كثيرا وهون عليه، وابدى استعداده ان يمنحها اليه لساعات ليفرغ فيها غضبه وشهوته. تلكأ (س) ولم يدر بماذا يجيب. يقينا ان المسألة لا يمكن ان تتعلق بهيجان جنسي، لانه بكل بساطة منذ اعوام طويلة مصاب بـ( عجز جنسي)، وقد نجح باخفاء هذا السر حتى عن أقرب اصدقائه. لعله كان راغبا بالانتقام منها واذلالها، لكن مشاعرا لعينة بالاثم ظلت تجول في اعماقه، وهذا امر لم يتعوده منذ سنوات طويلة، منذ ان تخلى عن ماضيه الوضيع ودخل عالم المجد والسلطة!

عندما لاحظ المدير تردد(س) اقترح ان يقدم اليه ملفها لكي يطلع عليه براحته ثم يقرر موقفه منها. ثم بكل رحابة صدر تركه وحده في المكتب يتصفح اضبارتها التي كان اقل ما يقال عنها انها(عجيبة)!؟ لا بد إنها كانت قد تعرضت لعبث وتمزيق، فالتقارير التي لا تحصى المكتوبة عن هذه السيدة السجينة، تبدو متناقضة وبلا منطق، كأنها كتبت من قبل اشخاص من كل الاجناس والمهن والاعمار، وفي حقب مختلفة. ليس هنالك تقرير واحد يجزم بحقيقة هوية هذه المرأة، فكل تاريخها وأصلها مجهول، بل لا احد يعرف حتى اسمها، وقد اطلقوا عليها تسمية (الخرساء) لأنها صماء لم تجب بكلمة واحدة رغم كل الاذلال والتعذيب. ما عرفوا عنها أي شيء ولم يتمكنوا ان ينتزعوا منها اية معلومة، فبالاضافة الى خرسها فأنها لم تبدي اية علامة على معرفة القراءة والكتابة. ثمة آراء متضاربة حتى عن تاريخ ومكان العثور عليها. بل ان احد التقارير يؤكد على انها كانت سجينة منذ اوائل تأسيس الدولة العراقية، أي منذ اكثر من سبعين عاما.. علما بـأنها لا زالت في ريعان الشباب ؟! هنالك تقرير يقول انهم قد عثروا عليها منذ اعوام في البادية الغربية تجول تائهة وحدها. بعض آخر يقول انهم عثروا عليها معتكفة في مغارة في جبال الشمال، وآخر يدعي انها من اهل الاهوار، وآخر يظن انها من عائلة بغدادية عريقة!!

 لم يشاهد(س) في حياته مثل هذا الملف العابث.. هذا الغموض العجيب الذي يحيط بهوية انسان. من بين كل هذه التناقضات والملابسات الغرائبية هنالك شيء واحد تتفق عليه جميع التقارير: انها انسانة مريبة لأنها بين حين وآخر وهي نائمة تهذي بكلمات غامضة توحي بمعرفتها بأسرار خطيرة..عن مؤامرات وانقلابات وإغتيالات وحروب واحداث عديدة لا يعرف بها غير رجال الدولة الكبار. لهذا فانها متهمة بالتجسس وقد امضت كل هذه السنوات على امل ان تخضع ذات يوم وتعترف عن مصدر معلوماتها. 

اصابت الحيرة (س)، امام هذه المرأة اللغز!؟ قال، ما له والمتاعب، ليدعها وشأنها تتدبر حالها مع سجانيها. لكن قوارض الاثم ظلت تنبش في ضميره الذي خاله قد مات منذ اعوام طوال. كأن مصير هذه المرأة قد تعلق بقراره هو وليس غيره.. كأنه يعرفها ويعرفها ويعرفها منذ إن ولد ، بل ربما في حيوات سابقة، كما يدعي المصدقون بتناسخ الارواح.. هل كانت معبودته.. اخته.. امه.. ابنته.. توأمه!؟

بعد مداولات مع صديقه المدير واتصالات بالهاتف مع المسؤولين الكبار، تم التوصل الى حل: ان يأخذ السيد(س) تلك الخرساء معه الى قصره لفترة ما، وهنالك يتصرف بها كما يشاء .. فلعله إن امتلكها واشبع نزواته منها سوف يتخلص من الحيرة التي كبلته بها.  لكن سيادتهم فرضوا شروطا عدة، اهمها انها لن تغادر القصر ابدا ولن تتصل بأحد غير السيد(س). أي ان تبقى سجينة تحت رعايته، وان يجلبها لهم متى يطلبون، ثم أن يخبرهم في حالة حصوله على اية معلومات تخص هويتها وتاريخها.

                                             *    *    *

فجأة اهتزت غرفتنا بضجيج حاد اخترق هدونا وازال خدرنا. انتفضت انا متسائلا عن الامر، لكني فوجئت باستمرار صاحبي على وضعيته وعدم مبالاته بالضجيج وكأن الامر طبيعي. وخاطبني بهدوء قائلا وهو يتناول استكان الشاي:

ـ ما كو شي.. اكيد طائرات امريكية تحاصر مخابئ مسلحين..

احسست بالخجل وكأني كشفت عن ضعف في حساسيتي، فعدت الى جلستي وانا اصطنع الهدوء واللامبالات. وعاد (ص) الى حكايته:

قبل ان اسرد عليك الفصل المهم من حكاية(س) مع تلك الخرساء العجيبة التي اذهلته بأسرارها واخذته معها في اسفار عجاب جعلته يغور في متاهات سرمدية من سؤال وجواب. لكي تكون على بينة من الامر، ارى من الواجب ان اكشف لك اولا بعضا من تاريخ(س) الشخصي. لا يخفي عليك بأنه كان من جماعة صدام، وعمله كله مع قادة النظام ورجالاته. قد يبدو الامر طبيعيا بالنسبة للكثيرين، لكن بالنسبة له لم يكن بهذا الوضوح.  كان يشعر في اعماقه بأنه قد خان مبادئ شبابه وتنكر لقيمه وطموحاته. خدع وتجسس وتملق وسبب الاذى للكثير من الابرياء. لكنه كان ايضا بين حين وآخر ينقاد لذلك الميل الغامض الذي قد يستحق ان يسمى ضمير، ويدفعه لمساعدة المظلومين ما ان تحين له فرصة. كم من المغضوب عليهم خلصهم من غياهب سجون او من قرارات موت محقق، وكم من القتلة والسفلة تدبر لهم المقالب وبعثهم الى قيعان جهنم!

عاش (س) حياته الاولى، مثل الكثير من  ابناء العراق، في ضنك العيش وقسوة الحياة. يقال ان الجوع لا يمكنه ان يحيا وحده، بل عليه ان يتنفس الاذلال لكي يدوم. والمشكلة ان هذا الاذلال لا نعانيه من اصحاب الجاه والمال قدرما نعانيه من ابناء جلدتنا من الجوعى وضحايا الظلم. الجميع يشتركون بأذلال الجميع كأنهم ينتقمون بذلك من سادتهم بعيدي المنال. الآباء يذلون الابناء، الكبار يذلون الصغار، الرجال يذلون النساء، المعلمون يذلون التلاميذ، الموظفون يذلون المراجعين.. هكذا في شبكة جهنمية من الاذلال اليومي العلني والمستتر. اما (س)، فمنذ إن استقوى عوده وبدأ يدرك هذه الحقيقة المرة، قرر امام ربه وضميره بأن يتمرد على جوعه وذله. لهذا قرر ان يبحث في الكتب عن دروب الخلاص. اصبح مثقفا عاشقا للمطالعة والكتابة. مع الايام قادته الكتب الى خيار الماركسية فاصبح شيوعيا في اول شبابه بداية السبعينات. تعلم ان يقدس الفقراء ويحلم بالثورة التي سوف تحررهم من  الظلم. راح يقرض الشعر ويدبج المقالات النارية عن الثورة القادمة.

لكن حماسة الايمان هذه سرعان ما انهارت عند اول تجربة اعتقال عاشها(س) في اواخر السبعينات وهيمنة صدام على الدولة. صحيح انه صمد وتحمل مختلف انواع التعذيب وحتى الاغتصاب، إلا ان الايام  واخبار هروب القادة الى الخارج وخيانتهم لقضية الثورة والكفاح، جعلته يفقد الامل تماما وينتكس وينقم على كل ماضيه النضالي. خلال ظلمة السجن بدأت الحقيقة المرة تظهر له: لقد إغتصب منه الجلادون فحولته. اصبح خصيا وفقد كل الصلابة والقدرة على المعاشرة. صارت ذكورته لحمة ميتة. حاول المستحيل لكي يمارس عادته السرية. لم تنفعه حتى الصور الخليعة التي حصل عليها من المعتقلين. اصابه هذا الامر بالرعب، وجعله يواجه تلك الحقيقة المرة التي طالما أجل مراجعتها في اعماقه. رغم شبابه وثقافته الا انه حتى سجنه لم يكن قد تذوق طعم المرأة. علاقته بها ظلت مبهمة وغامضة. إحساسه بها إرتبط دائما بقضية الجوع والحرمان. لن ينسى، كيف انه ذات يوم في اول مراهقته كان يشتغل تحت شمس بغداد الحارقة والجوع قد انهكه والعرق ينزف من جبينه ويحرق عيونه. كان لحظتها يشتهي برد الظلال وصحن من الرز والمرقة امامه يلتهمه بلذة. إذا بشابة ترتدي (ميني جيب) تخطف من امامه تتمايل بشموخ بأفخاذها البضة البيضاء. فجأة من دون شعور تكونت صورة واضحة ملونة امامه مثل شاشة سينما: الفتاة عارية تماما وقد تحولت الى دجاجة مشوية في صحن التمن والمرقة!!

منذ ذلك اليوم، وهو يمارس عادته السرية على تلك الصورة الطريفة الشاذة!!

اما الآن في عتمة السجن والعزلة فان إكتشافه لحقيقة إخصائه قد هز كيانه من اساسه ولوث علاقته بالحياة بكل تفاصيلها. خيبته برجولته جعلته ناقما على الله وعلى الاحزاب وعلى المثقفين والسياسيين وعلى جميع الذين يتشدقون بوعود الخلاص. اصبح كتلة من الحقد والرغبة بالانتقام من كل رجال بلاده، جميعهم، الجلادون منهم والضحايا. راح يمضي وقته منعزلا عن باقي المعتقلين وهو يبحث عن أي طريقة لارضاء شهوة الانتقام التي كانت نار جهنم تحرق بكيانه. تخيل تفجير القنابل وسط الحشود واغتيال الناس بالسكين وتسميم مياه الشرب وخنق الاطفال بالمهود واغتصاب النساء بالقضبان.. الحقد وحده كان يمنعنه من الانتحار.. الانتقام وحده كان يغذي فيه نسغ الحياة!

اخيرا اهتدى الى حل جهنمي  يضمن سلامته وديمومة حياته وبنفس الوقت التشفي بعذابات اعدائه. بالصدفة عثر على قطعة جريدة ممزقة فيها مقال عن الروحانية الآسيوية. كان يؤكد على ان الله عندما يريد ان ينتقم من مللة، ليس بالضرورة ان يسلط عليها الجوع والحرمان، بل يمكن ان يسلط عليها البطر والتخمة. لحظتها اتاه الوحي:

((لأكافحنهم بـتخمتهم وبطرهم. إن كان شبقهم هو الذي جعلهم يغتصبوني ويقتلون فيٌ رجولتي، فاني بـ( الشبق) ذاته سوف أنشر سموم الموت والتفسخ في كيانهم.. بالشبق سوف أنخر ارواحهم وأستولي على عقولهم وضمائرهم وأقتل الرجولة في ابدانهم. بالشبق سوف أستحيل الى شيطان يغوينهم حتى حتوفهم..))..

لكي تنطلق خطته الجهنمية، قرر ان يبدأ بالانتقام اولا من رفاقه الذين خدعوه بوعودهم الخلابة. بدأ بالاعتراف عليهم وتوريطهم صدقا وكذبا واحدا بعد الآخر. اطلقوا صراحه بعد ان وقع على انتمائه للبعث. لم يكتف بالاعتراف والتجسس على رفاقه، بل راح يلاحق رفيقاته السابقات ويتلذذ بالايقاع بهن ليشارك رجال الامن بتعذيبهن واغتصابهن. كان مهووسا بالانتقام من نساء اولئك الذين خدعوه بمشاريعهم الزائفة. مع الزمن راح يصطاد النساء هنا وهناك، أي نساء، ويصطنع لهن اية تهمة ويقدمهن لمن عذبوه. كان يحس بلذة غامرة بمجرد ان يقدم النساء البريئات الضعيفات الى اولئك الجلادين. محنة السجن أظهرت الى السطح حقيقته العميقة التي نجح خلال سنوات النضال ان يغطيها بشعارات واحلام عذرية: انه يقدس الاقوياء ويحتقر الضعفاء. كما يردد هو احيانا في حالة ثمالته، انه مازوشي مع الاقوياء وخصوصا الجلادين ويتلذذ بخنوعه لهم، وهو ايضا سادي يتلذذ بسحق الضعفاء واذلالهم وخصوصا النساء. هكذا إذن، دخل السجن مناضلا ومثقفا ثوريا وخرج منه مخصيا وبعثيا وسمسيرا وفيا لمهنته. صار واضحا ان المهنة الوحيدة التي تناسبه والتي بها سوف ينتقم ممن اخصوه، ان يكون: سمسيرا..

بصورة ادق: سمسيرا مثقفا وسياسيا محنكا...

                                       *  *  *

ـ لازم الامريكان ابتلشوا بجماعة كبيرة!

       عندما سمعت هذا التعليق من صديقي(ص)، تصورت لأول وهلة انه مستمر بسرد حكايته! احتجت لوقت لكي ادرك انه كان يتحدث عما يجري خارج القصر. حينها فقط انتبهت الى نفسي الى اني كنت متناسيا تماما ضجيج القصف والطائرات، مع استمرار صاحبي بسرد تلك الحكاية! ادركت مستغربا كيف اني قد ارغمت نفسي بشكل غير واعي على عدم الاستماع الي دمار الخارج، بسبب خشيتي ان اكشف عن ضعف في حساسيتي. فهمت من (ص) ان هنالك قريبا من البستان ثمة حرب دائرة بين الجيش الامريكي ومجمومة من المسلحين. وكما بدى لي من خلال صديقي ان هذا امر طبيعيا قد تعود عليه العراقيون ولا يستحق منا وقفة ما.. ثم عاد الى حكايته:

مع الايام اتقن السيد(س) مهنته واكتسب مهارات جديدة جعلها ادات لتغيير حياته بكاملها. بعد  الجلادين اتجه الى المثقفين من ابناء طبقته. بدأ يرسل لهم بغوانيه لاغوائهم وكسبهم لصالح طموحاته بالصعود والانتقام من ماضيه. ثم توصل الى الاداريين من مسؤولي الثقافة في الصحف ومؤسسات الدولة والحزب. كان يختار مدير الجريدة الفلانية ويرسل له احدى شغيلاته، لتعود مع قرار تعيينه صحفيا من الدرجة الاولى. ثم من خلال بناته اقنع بعض الكتاب المغضوب عليهم، ان يشتري منهم مواضيعهم وترجماتهم، وينشرها باسمه. مع الزمن اصبح اسما كبيرا في عالم التأليف والترجمة، وكل هذا ساعده على الصعود السريع في مراتب الحزب.

بحكم ثقافته الواسعة وسفرياته المتنوعة، اقتبس فنون الاغواء والبغاء الغربية. خلق شبكة واسعة من الغواني من مختلف الالوان والاجناس، خصوصا من بلدان المعسكر الاشتراكي السابق. علمهن كيفية اغواء الرجال ومساعدتهم على اكتشاف ملذاتهم المجهولة. من خلالهن عرف ان الغالبية الساحقة من رجال الدولة والحزب والطبقة المثقفة لا يختلفون عنه في حالته النفسية. كانوا ساديون قساة لا يرحمون مع الضعفاء، ورعديدون ضعفاء مع الاقوى منهم. يقال ان الرجل الحساس المجبر على ممارسة القسوة في وظيفته، بحاجة الى تعويضها وتفريغ شحنة الخنوع المكبوتة بأي وسيلة كانت، ومن افضلها واسهلها هي التعرض للاذلال والعذاب الجنسي من قبل إمرأة طاغية تشبه الأم.  لهذا علم (س) غوانيه كيفية القيام بدور الأم الطاغية وإستعمال فنون التعذيب بالادوات الخاصة التي استوردها من اوربا: السياط والقيود والمقاعد الخاصة والاعضاء من الكاوشك والاقنعة والثياب الجلدية، وقد اضاف ليها (نعال المرأة البلاستيكي) كخصوصية وطنية. لاشاعة ثقافة (السادية ـ المازوشية) هذه اوصى بترجمة المقالات والكتيبات التي تتحدث عن هذا السلوك، واستورد عشرات الافلام الجنسية المتخصصة بمثل هذه الحالة. مع الايام تعود غالبية مسؤولي الحزب والدولة والجيش والشرطة والنخب المثقفة والمتعلمة ان يزوروا شقق(س) السرية ليتعرضوا الى الاذلال والشتم والتعذيب الجنسي على يدي الغواني. ثقفهم بمختلف الخيارات المعروفة في مباغي اوربا. بعضهم يعامل كأمرأة وهو يرتدي سراويل النساء، وبعضهم يعامل كطفل ينام في الكاروك(المهد) وفي فمه ممة الحليب وامه البغي تهدهده و تصفعه ثم تمارس له العادة السرية. وآخرون يفضلون ان يمثلوا ادوارا وضيعة وقاسية مختلفة تتناسب مع مهنتهم الاصلية. فالجلاد يحب ان يمارس دور سجين معذب، والمعلم يمارس دور تلميذ مذنب، والحاكم يمارس دور متهم محكوم بالاعدام. بل احد السادة المسؤولين المعروفين بجرأتهم في مكافحة المتمردين وسحق رؤوسهم بعصاه، كان يعطي مسدسه المملوء فعلا بالرصاص لكي تهدده الغانية لحد انه يقتنع حقا انها سوف تقتله فيشرع بالبكاء والرجاء وينطق بالشهادة استعدادا للموت. مع الزمن صارت قيمة الغانية واجرتها تحدد بمدى قبولها بالقيام بدورها الاذلالي والتعذيبي حتى اقصى الحدود. فالسيدة(سوسو) مثلا كانت باهضة الثمن ومرغوبة جدا لأنها كانت تجمع بين قوة الشخصية وبرودة الاعصاب ومهارة الامتاع، فهي اثناء قيامها بأطفاء السكائر على ابدان الراغبين أو تهديد البعض بالسكين لحد تجريحهم، فأنها بنفس الوقت، كانت قادرة على مداعبتهم بحنكة ودهاء بحيث انهم كانوا يبلغون ذروة اللذة رغم اوجاع الحروق والجروح!

 كم كان (س) يحس بالمتعة والتشفي وهو يتفرج، عبر نافذة خفية، على الرجال المعروفين بأنفتهم وبطشهم وكبريائهم التلفزيوني، واحدهم يولول شاكيا مثل ولد، بينما احدى الغواني تجلده بالنعال الوطني على مؤخرته المكشوفة!   

كل هذا مكن(س)ان يفرض سطوته في مجالات الدولة والحزب والثقافة. بحفلة مجون واحدة تتناثر فيها البنات والخمرة والحشيشة، كانت تلبى له اعجز المطالب.

من خلال وساطة احدى بناته التي لا ترد لها كلمة اختار الحزب احد كتب (س) من ضمن برنامجه للتثقيف الاجباري، وكان كتابا شيقا ومفيدا عن تربية الشبيبة واخلاق المجتمع القومي الجديد!

*    *     *

    لأول مرة انتبهت الى صاحبي (ص) يتأثر بضجيج القصف ويقطع حكايته مرتبكا، عندما احسسنا فجأة باهتزاز القصر بعد سقوط قذيفة قريبة منه. قام وفتح النافذة، ثم عاد ليطمئنني قائلا بأن القذيفة لم تمس داره، بل سقطت في البستان المجاور. جدد لنا قاروة الشاي وجلب لنا فطائر(كليجة) وقنينة ماء معدني، وعاد الى سرد حكايته:

بعد ان اطلعت على مختصر سيرة (س)، يمكن الآن ان  نعود الى  قصته التي ابتدأت مع تلك السيدة الخرساء. ذلك اليوم أخذها مباشرة من دائرة الامن الى بيته( قصر العزلة)، فهو امين تحت رعاية حارس مسلح ومحاطة بسياج مراقب بالعديد من اجهزة الانذار. في هذه الدار كان يزاول وحدته عندما يتعب من صخب بغداد ومن نشاطاته الثقافية والسياسية والاقتصادية، بالاضافة الى مهنته الاساسية طبعا.

سلم(س) السجينة الى الخادمة زوجة حارسه واوصاها بالعناية بها وترتيب غرفة لها. تركها هناك ونزل الى بغداد وانشغل في نشاطاته المعتادة حيث يمضي الليالي في شققه العديدة. كانت الحياة في بغداد التسعينات تزداد اضطرابا وصعوبة بسبب الحصار وفرار العديد من كوادر الدولة والحزب والنخب المثقفة والمتعلمة الى الخارج هربا من الوضع المتفاقم سوءا وفقرا. في خضم هذه الامور كاد(س) ينسى خرسائه تماما ولم يفكر حتى بالسؤال عنها. بعد مضي اكثر من اسبوع في احدى الليالي وجد نفسه يطلب من سائقه ان يمضي به الى (قصر العزلة). كان مخمورا محشوشا تعبا نعسا فذهب الى سريره مباشرة وبدأ يغرق في نومه..

لم يدري كيف بين الحلم واليقضة بدأ يتهادي اليه صوت غناء. كان ترنيما حنونا، من شدة الفته ظنه يأتيه من دواخل احلامه. بالتدريج مع تنامي انتباهه بدأ يدرك انه ليس بحالم وان الغناء يأتيه من  خارجه. لم يتبين إن كان انثويا أم ذكوريا، لكنه كان شجيا بموال عراقي حزين لم تتضح كلماته. مثل همس طفولي يتصاعد بعتب صداقي حتى يبلغ مداه في نحيب جياش ومناجات يائسة راحت تقطع نياط قلبه. انتبه(س) الى دموعه قد بللت مخدته. انتفض ونهض غاضبا. هذه المرة الاولى التي يبكي فيها هكذا بكل ضعف وبؤس. لقد خان العهد الذي قطعه على نفسه في معتقله لحظة قرر فيها ان يعترف ويقلب تماما صفحة حياته السابقة: بأن لا يدع الحزن ومشاعر الاثم تجتاح قلبه ولن يترك عينيه تدمع ابدا حتى لو قطعوا اوصال الكون امامه!

لم يكن يدرك من اين يأتيه ذلك الصوت. فكر ربما الخادمة قد نست المذياع في احدى الغرف، فاتجه الى القاعة وسط الدار وراح يتنصت ويتبع مصدر الصوت. كلما اقترب كانت النغمات تتضح اكثر فاكثر. رغم غضبه واصراره الواعي على الرفض، الا ان موجة حنين راحت تتصاعد في روحه. وجد نفسه امام باب غرفة لم يغلق تماما. من الواضح الآن ان الانين لم يكن في مذياع. دفع(س) بحذر الباب. كانت الغرفة معتمة الا من ضوء فجر منساب عبر نافذة مفتوحة. هناك على حافة النافذة بدت ظلال إمرأة جالسة موشحة بأنوار سماء فضية شاحبة. راح يقترب بحذر وهدوء  وهو مجذوب مسحور. ظلت تغني وهي ترمق السماء كأنها تناجي قمر ونجوم متلألئة. عبر ضباب الفجر الواهي ظهرت ظلال بساتين تحيط  بنهر دجلة، مع حقول حنطة وعباد شمس وبادية بعيدة وافق لا ينتهي. خيل لـ(س)ان الطبيعة كلها، النخيل والاشجار والنهر والبادية والفجر والريح، كانت هي التي تشدو عبر حنجرة المرأة. للحظة حانت من المرأة التفاتة نحو(س)، فعرف انها سجينته الخرساء! ما ان لمحته صمتت وعادت ترمق السماء وكأنه غير موجود.

 هل من المعقول انها هي نفسها؟! كيف يقولون عنها خرساء وهي تصدح بهذه التراتيل التي لم يسمع مثيلها. اقترب منها اكثر ليتأكد من صحة رؤيته، حتى لمس كتفها، ومن دون تفكير كلمها وهو مبهور مبهوت:

ـ يا سيدتي .. هذه انت.. ارجوك استمري بغنائك.. استمري..

لكنها ظلت صامتة جامدة وهي ترمق السماء. من دون وعي توجه نظر(س) معها  بحثا عما يشغلها. هناك في الاعالي شاهد القمر ونجمة الصباح(الزهرة) متلألئان في عينيها. حينها فقط شعر انه امام انسانة غير عادية!

                                                   *    *     *

       اضطررت ان اقطع كلام صاحبي(ص) معتذرا، لاني بدأت اشم رائحة حريق. صحيح ان ضجيج القصف والطائرات لم يتوقف، الا اني  ارغمت نفسي على تجاهله، لكن الحريق قد يكون خطره مباشر. وقف صاحبي وراح يجول في انحاء الغرفة وهو يتشمم، ثم عاد ضاحكا وهو يقول:

ـ لازم اوربا اثرت بيك ياعزيزي.. صاير حساس جدا.. حرق الكليجة تتخيله حريق..ها ها ها..

 لم اخبركم بأني منذ ساعات بدأت الاحظ على صاحبي(ص) تغييرات بطيئة على ملامح وجهه كلما استمر في سرد حكايته. لا ادري كيف؟ ثمة تغييرات طفيفة قد تكون بتأثير العتمة وتلاعبات الضوء الغازي. بدأ كما لو انه اصبح اكثر حزنا واكثر رقة واكثر تأثرا بما كان يسرده من وقائع.. اقول كما لو ان كان بصورة ما معنية بما كان يجري لبطله(س).. لا ادري كيف اصف لكم شعوري.. اعترف انه امر مبهم وصعب الايضاح.. ربما ستفهمونه مع مجريات الحكاية..

ازاح فطائر الكليجة عن المدفئة، وعاد الى حكايته:

منذ تلك الليلة، بدأت حياة صاحبنا تتغير. راح يعود كل ليلة الى (قصر العزلة) مخمورا محشوشا، فقط لكي يتنصت الى شجى السيدة الخرساء. رفضت ان تغني بحضوره، او بحضور أي كان، ولا في اية ساعة، بل فقط عندما يهل الفجر. تجلس الى النافذة وسط العتمة وتصدح مناجية القمر ونجمة الزهرة  تودعهما وهما يغيبان مع اشراقات الصباح. كان(س) كل فجر يفتح بابها بحذر ويحبو على الارض ويختبئ مثل طفل ليجلس في العتمة قريبا من النافذة، ويمضي ساعة او اكثر في غيبوبة انغامها. كانت تغني بمختلف الالحان لشائعة. يأتيه شدوها تارة رقيقا حنونا يعبق بنسيم فواح من ثمار ارض وضباب سحر وهمس احبة، وتارة حارا جياشا يصدح بعواصف وامواج وتساقط صخور حزن وغضب. يبدأ بهمس طفولي ثم يتعالى بحوار صداقي معاتب حتى يبلغ مداه في نحيب جياش يقطع نياط القلب فيبكي(س) ويرتجف وتنهمر دموعه حارة لا تنضب.

ذات مرة خطر في باله بصورة عابرة ان يدعها تتنزه في البستان المحيط بالقصر. اصابته الدهشة وهو يراها تتمايل امامه بقامة شامخة تهفهف بثوب ليلكي فضفاض وشعر حني طويل. بدت حرة منطلقة مثل طير فرٌ من قفصه. راحت تعانق جذوع النخيل والحمضيات.. تمرغ كفيها بالاتربة والاطيان..تلاحق الطيور والضفادع. عندما شاهدت دجلة اطلقت صرخة همجية ثم آهات وهمسات وولولات شغف وتعجب مثل طفل يكتشف العالم توا، او مثل ام تعود الى احضان اطفالها بعد غياب طويل. ركضت ورمت نفسها في النهر وراح تغتسل وترتوي ككائن بدائي يخزن عطش قرون. فجأة غطست في الاعماق وغابت. اصاب(س) الهلع فرمى نفسه نحوها وهو يطبش هنا وهناك مناديا اياها من دون جدوى. لم يدري كم طال انتظاره وبحثه وهلعه حتى فقد الامل واصبح متيقنا انها قد غرقت. فجأة شاهدها تخرج من بين الدغل وتختفي بين الاحراش مطلقة فحيح وحشي، ثم عادت اليه  وقد التفت افعى رقطاء حول ذراعها وهي تداعبها بصداقة وحنان!! 

منذ ذلك اليوم دخل(س) مع السيدة الخرساء، في عالم طقوسها البدائية بالتجوال في الطبيعة وإكتشاف خباياها. كل عصر كان يقضي معها ساعة او ساعتين في البساتين وعند ضفاف دجلة. كذلك كل يوم جمعة كان يرحل بها الى منطقة جديدة من البلاد، يتركها تسير امامه في البساتين والجبال والبوادي وعلى ضفاف الانهر. كانت تعرف الدروب والزوايا شبرا شبرا. تتلمس الارض والنباتات والحيوانات بشغف وانبهار كأنها تتبادل معها طاقة الحياة. تقوده الى مخابئ الارانب وجحور الثعابين، تلاعب الثعالب والذئاب، بينما العصافير والفخاتي تحط على كتفيها وكفيها. يفوح منها عبق الارض بأطيانها ونباتاتها واحيائها. كالحرباء تتلون حسب المحيط، تارة سمراء كأديم الارض ومياه النهرين، وتارة خضراء ذهبية  كحنطة وشعير. رغم صمتها في ساعات التجوال، إلا ان(س) كان يتنصت لصوتها ينبع من خلايا الارض، من اطيانها ونباتاتها واحيائها، بل حتى من مسامات بدنه هو واحشائه. صار مقتنعا بأن صوتها كان صوت الحياة، بل هي الحياة ذاتها..

                                           *    *     *

خيل لي، اني بين حين وآخر، كلما توقف ضجيج القصف والطائرات، كنت اسمع من بعيد البعيد اصوات غناء. قلت يقينا اني اتخيل الامر تحت تأثير حكاية صاحبي. لكني بعد تكرار الامر، ابحت لصاحبي بما يدور في خلدي، وانا اداري الامر بضحكة هازئة  معتذرة عن خيالاتي. رغم ان صاحبي قد شاركني السخرية، الا اني لاحظت خلجات مرتبكة بدت على صوته.  ثم بعد حين، اعتذر مني قائلا بأنه ذاهب ليجدد الشاي.

قمت ناظرا من النافذة.  بدى البدر متوهجا في كبد السماء، والنجوم متناثرة حوله في جميع الانحاء، فتتخلل تلك الانوار ظلام البستان. من بين النجوم رأيت نجمة قريبة متوهجة اكثر من غيرها، فخمنت انها قد تكون(نجمة الصبح ـ الزهرة) التي كان ابي يستيقظ عليها ليؤدي صلاة الفجر ويرحل الى عمله.

 عبر النخيل واشجار الحمضيات تمكنت من رؤية شاطئ دجلة، وعلى صفحته تتهادي وديعة مويجات متلألئة بأنوار السماء. بين حين وآخر، كانت السماء تقدح بنيران القصف المتبادل في جهات غير مرئية، فتتوهج السماء والمياه والبساتين،كما لوكانت تحت تاثير برق خاطف.

عاد صاحبي(ص) جالبا من جديد الشاي والمياه المعدنية، مع صحن قيمر(قشطة) محلى بالدبس. وعاد الى حكايته:  

هكذا يا اخي، عبر هذا التجوال بدأ(س) يعيد اكتشاف بلاده، التي كان يتباهى بكتاباته بأنه يعرفها شبرا شبرا. أدرك بأنه في الحقيقة لم يعرف إلا مدينته بغداد وبعض المدن الكبرى.  قال انه صار مقتنعا بأنه بالحقيقة لم يكن يعرف سوى عبودية المدينة بصخبها وضيقها ومجونها وطغيانها الخلاب الخادع الذي لا يرحم الضعيف وطيب القلب. تجواله مع سيدته جعله يكتشف الجانب الخالد والسرمدي من بلاده، أريافها وبواديها واهوارها واطيانها وانهارها وجبالها.

يبدو ان علاقته بسيدته الخرساء لم تفرض تغييرا على سلوكه ونظرته للحياة، فحسب، بل شمل تأثيرها ناحية عميقة لم يتوقع ابدا ان تتغير هكذا فجأةا: رجولته!! ذات ليلة استيقظ مرتعبا على حلم كان فيه يضاجع خرسائه. اصابه الحزن لأنه كان متيقنا من اكتشافه كالعادة خيبة أمله. لكن حدثت المفاجأة التي لم اتوقعها ابدا: كانت ذكورته حية!؟ نعم هكذا بدأ يستعيد رجولته ويحس بقدرة فعلية على المعاشرة. اكتشف بأنه فعلا يشتهي سيدته. بعد تردد طويل قرر ذات ليلة وهو ثمل محشوش ان يعبر لها عن رغبته بها، لكنه سرعان ما تراجع بعد إن رأى منها ذلك الصمت الوقور. حينها قرر ان يهجر اية محاولة معها وان يشبع شهوته مع غوانيه. 

ظلت الايام والاعوام تمضي والسيد(س)يحاول ان يجمع بين حياة الخطيئة والمجون في بغداد وحيات الطهر والتعبد في (قصر العزلة). كان يصحو في الظهر ويمضي الساعات بالعنايا بنفسه في قاعة الرياضة والحمامات والسباحة، واحيانا التجوال مع خرسائه. عندما يحل الغروب ينزل الى بغداد ليعيش صخبها ومجونها حتى آخر الليل، ثم يعود قبيل الفجر لكي يتطهر بشجى خرسائه. كل مرة تنتهي  من غنائها، كان يجثوا امامها يشكو لها عذاباته وحيرته في حياته. هكذا صارت راهبة اعترافاته. يسرد لها كل موبقات ليلته: كم خدع وعذب واغتصب او حتى قتل او سببت القتل. وكانت هي لا تبدي غير الصمت وانظارها متجهة نحو السماء. وتمسح بكفها على رأسه فيحس بخدر لذيذ يعيد اليه ذكرى امه تفلي له شعره وهو نائم في احضانها.

لو يشاهده اصحابه وغوانيه في تلك الحالة، لما صدقوا ابدا. ها هو (س) الباطش الداعر الذي يتملقه اهل المال والسلطان وتحت سطوته شبكات حسان من كل جنس ولون، يمتلكهن لحظة يشاء كما يمتلك أي سيد جواريه.. هكذا يتحول الى زاهد متعبد في حضرة خرساء مجهولة التاريخ والهوية. ها هو المتمرد الخليع الناقم على الله والوجود، راح بالتدريج يستحيل الى انسان آخر.. بدأ ضميره يصحو وينمو مثل جنين يحيا وينمو في اعماقه. اصبح حاملا بضمير تعب مشوه، ويا ويله وسواد ليله من ساعة المخاض! كيف له ان يحافظ على جاهه وماله وسلطانه برفقة ضمير معذب يحرقه على  حياة حافلة بكل ما هو منافي للضمير.

هذه الحياة المزدوجة لم تكن سهلة ابدا. كان (س) تواقا للخلاص من مجونه وضياعه. السمو عن مستنقع الموبقات الذي كان يعيش فيه ويستمد من اقذاره سلطانه وجبروته. كل فجر بعد اعترافه بآثامه، كان يقسم لها، بأنها ليلة العاق الاخيرة وانه سوف يتخلى عن حياة ملوثة، ليمضي عمره معها. يهجر كل شيء ويهيم في  البوادي بعيدا عن حضارة خرقاء ببريق وهاج زائف، زيف حياته كلها. لكن الغروب ما ان يحل ويبدأ الشفق النحاسي يوشح البساتين والحقول ومياه دجلة بحمرة الكآبة والمجون، حتى تتصاعد عواءات مكلوبة من اعماقه تحثه على الثمالة ومناجات رفاق الخطيئة. حبال طويلة شائكة وقوية متجذرة في احشائه وعضامه، تشده الى حياة الليل والتلذذ بمشاهد العذاب السادي المازوشي، والفكاك منها كان يعني موته. فيحتسي كؤوس الخمرة وأنفاس الحشيش ثم ينزل الى بغداد.

الاعوام تمضي وعذاباته تتفاقم والوطن من حوله يذوي ويحتضر تحت حصار لا يرحم ويغادره خيرة ابنائه، بينما الدولة يستفحل سرطانها ويستولي عليها بالتدريج رجال منحطون تفاقموا مثل جراثيم في ازبال هزائم وخيبات. تضاعف الطلب على الغواني بصورة متسارعة تفوق الحساب. كلما استفحلت ازمة الوطن واقتربت النهاية التي يدركها الجميع، تكاثر الرجال المرتادون لغرف التعذيب. اصبح لدى(س) عشرات الشقق في انحاء بغداد، بل صارت لديه فروع في جميع المحافظات بما فيها محافظات الشمال المحمية. بسبب الحصار صعب استيراد ادوات التعذيب الجنسي، فتمكن(س) بحكم علاقاتاه المتشعبة ان يتم تصنيعها وطنيا. كان(س) فخورا باختراعه طريقة وطنية للمشاركة في رفض التهديدات الامريكية: امر برسم الاعلام الامريكية على شراشف المضاجعة وجعل غوانيه يرتدين نفس بدلات ضابطات الجيش الامريكي، وتعلمن النطق بشتائم وبذاءات امريكا اثناء حفلات التعذيب. لقد لاقت هذه الطريقة اقبالا منقطع النظير، حتى قيل ان سيادة ابن الرئيس قد طلب نفس الاجواء للياليه الخاصة. 

كم كان(س) يشعر بالاسف لأنه في تلك الظروف لم يترك بلاده ويهاجر مع خرسائه مثل الملايين غيره. بدهائه وماله وعلاقاته ومعرفته بأسرار المعارضين، كان بالامكان ان يتبوأ منصبا قياديا في المعارضة ويصبحت الآن في صفوة الحكام الجدد. الكثير من زبائنه الاوفياء من كوادر الحزب والدولة والثقافة التحقوا بالمعارضة وعادوا يقودون الدولة الجديدة التي حطمته الآن. ادرك جيدا ان الكثير من قادة النظام الحالي  يودون القضاء عليه خوفا من كشفه لاسرارهم.

                                            *    *     *

كانت جلستي تسمح لي ان اشاهد النافذة مقابلي، بينما صاحبي(ص) كان ظهره اليها. بدأت المح من بعيد، اندلاع نيران كانت تتفاقم في ارجاء البستان. لكنني ولسبب مجهول لا استطيع تفسيره حتى الآن، بقيت متجمدا في مكاني شاعرا بخدر لذيذ وكأني في عوالم حلم وفقدان. كانت كلمات صاحبي تأتيني على شكل صور كما لو كان هو نفسه جزءا من فلم يجري امامي. بدت لي مشاهد النيران وهي تحرق النخيل واشجار الحمضيات وتشع في ارجاء السماء وفي مياه دجلة، كأنها جزءا طبيعيا من احداث تلك الحكاية التي اسمعها وهي تجري امامي:

كما ترى يا اخي فأن هذه الحالة الاستثنائية كان مقدرا لها ان تنتهي. ذات ليلة عاد(س) الى قصر العزلة ثملا منتكسا حائرا تاركا ورائه بغداد تعيش بانتظار ساعة الصفر للاجتياح الامريكي. كان الجميع في حالة نفسية تحت الصفر بانتظار هزيمة محتمة، بينما عويل اللذة يتعالى من جميع شقق التعذيب الجنسي في الوطن. كان في حالة احباط وخيبة وتأنيب ضمير بحيث انه اقتنع حينها بأن ليس امامه غير واحد من حلين: اما ان يقتل نفسه.. او يقتل خرسائه.. او يموت الاثنان معا!!

في هذه الاثناء هبت عاصفة راحت تثير الضجة في  الفضاء وتضرب جدار القصر بقبضات وحشية. سحب(س) مسدسه واتجه مباشرة الى غرفتها. كانت كعادتها جالسة في العتمة عند النافذة المغلقة تراقب بزوغ الفجر من خلف الزجاج رغم حلكة السماء التي اجتاحتها جحافل غيوم سوداء. كانت الريح تطلق زعيق موحش مثير للشفقة، بينما خرسائه ما زلت في تأملها المناجي.  من دون انتظار او تردد صوب مسدسه نحوها واستعد لاطلاق رصاصة الرحمة. في هذه اللحظة ولأول مرة رآها تنظر اليه .. لم يكن يرى في العتمة ملامح وجهها، لكن عينيها كانتا متوهجتين ببريق مثل نجمتين او جمرتين او عيني حيوان مفترس. . حين قدحت البروق توهجت خرسائه فبدت مثل إلهة خرافية تمارس سطوتها على الوجود. من خلفها استحالت قامات النخيل الى اشباح محاربين بسيوف نارية. اصابه الجزع وتجمدت اصابعه على الزناد وشعر بالاختناق كأنه في واحد من كوابيسه التي طالما شاهد فيها امه ملفعة بالسواد تأتيه وهو مرتعب مختنق. لا يدري كيف وجد نفسه فجأة يلقي بالمسدس على الارض ويجثوا أمامها واضعا رأسه في حضنها وهو يجهش ببكاء مر.

امتزج صوته بانفجارات رعد وهو يعتذر منها طالبا الغفران.. يعاهدها بأنه سوف لن يخونها او  يتنكر لها ابدا.. منذ هذه الساعة سوف يهجر كل املاكه وغوانيه وسلطانه ويهرب بها  خارج الوطن.. سوف يعيشا وحيدان في جزيرة نائية او واحة مهجورة..

فجأة اهتز الكون بانفجارات جبارة كأن الارض كلها قد استحالت الى حرب شعواء.. الى بركان ثائر.. كل شيء راح يتداعى .. السماء والارض والحيطان وحتى بدنه. وعندما مسكها لكي يهرب بها عبر النافذة تفجر كيانه وشعر بانه يغيب عن الوجود.. حتى اللحظات الاخيرة ظل متشبثا بمعبودته.. ما عادت تهمه حياته ابدا.. هي وحدها، خرسائه والهئته..  بأنفاسه الاخيرة انبثقت صرخات مخنوقة:

ـ اهربي.. اهربي .. خلصي نفسك.. ارجوك اهربي..

وهو في ضباب فقدان وغبش موت متفاقم رآها تطبع على جبينه قبلة وداع وتشرع بالارتفاع كأن قوة عليا تجذبها نحو الفضاء، فتعلو وتعلو متسامية نحو سماء تنقشع عنها الغيوم ..

                                                *    *     *                                                                    

في اللحظة التي بلغ بها صاحبي(ص) جملته الاخيرة، اهتز الكون من حولنا كأن السماء قد سقطت علينا، وتفجرت الارض في بركان هائل، لتبلع صاحبي وغرفتنا والقصر وكل ما هو مرأي من حولي، ثم انا كذلك ابتلعني الدمار وغبت عن الوعي وعن الوجود بأكمله؟!

لا ادري كم من الزمن قد مضى علي، عندما فتحت عيني لأجد نفسي تحت الانقاض وحيدا لا ارى غير خراب القصر وجذوع نخيل واشجار محترقة ودخان وصمت ينتشر في الانحاء. خرجت من جحري ورحت ازحف مثل حيوان جريح، كلي حروق وخدوش ورضوض، وانا اشعر بعطش قاتل وكأن حرائقا لا زالت مندلعة في جوفي. بعد جهود عظيمة بلغت اخيرا جرف النهر ورحت اشرب واشرب. دون أي تفكير ارتميت في قارب مهجور وتركت دجلة يأخذني اينما يشاء. وانا مستلقي على ظهري محدق الى السماء تشع بحمرة فجر متصاعد. ومن بعيد تهيأ لي كأني اسمع شجى غناء نسوي مس قلبي وغمر روحي بحزن وفرح وسؤال..