الفصل الأخير من حياة انسان اسمه صدام
ـــــــــــــــــــــــــــــ
سليم مطر ـ جنيف
نشرت هذه القصة في جريدة الحياة اللندنية
عام 1999
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عزيزي صدام ،
انت ترى اني لا اخاطبك بـ(سيدي الرئيس حفظك الله) كما
تعودت من اتباعك ، بل اخاطبك كأنسان اولا
وآخرا . ان الذي حفزني للكتابة اليك وعنك، هو اطلاعي على تصريحاتك الاخيرة
عن رغبتك بكتابة قصة حياتك بنفسك . لهذا فأني قررت الأسهام معك بهذا المشروع ، ليس
لنزوة خاصة ، بل لأنك منذ اعوام طويلة مسؤول عن مصير شعبي ، ولأن الكتابة عنك هي بذات
الوقت الكتابة عن اخطر مرحلة عاشها الوطن . ها انا اكتب اليك الفصل الاخير من
حياتك ، اما الفصول السابقة ، فكما تعرف جيدا ، انك سبق وإن كتبتها بدم الناس
ودموعهم..
ــــــــــــــــــــــ
ذات فجر ليس ببعيد ستستيقظ يا صدام على فراشك في القصر
الجمهوري ، ولا تزال طرية في رأسك بقايا كوابيس عبثت في روحك طيلة الليل . كعادتك
من دون تفكير ستمتد يديك وتضغط الزر كي يأتيك حارسك . ستفكر بترددك امس ان تمضي
الليلة هنا، ام في احد قصورك او مخابئك الأكثر امانا . ستبقى مستلقيا بين الاغفائة
والصحو محاولا استعادة بعضا من مشاهد كوابيسك . كانت كلها مشوشة ومتقطعة وغامضة ،
وستحس بانقباض ثقيل يهيمن على روحك
، فلا زالت حية في اعماقك اصداء استغاثات احتضاراتك وتوهجات عيون ضباع
وغربان تنهش بعالمك .
عندما ستنساب عيناك نحو السقف بلونه الوردي ، ستشاهد
احداث كوابيس ليلتك : صحراء تمتد بلا منتهى ، مزروعة بقبور تجول في انحائها ضباع
مسعورة تنهش باشياء غامضة ، وفي سماواتها المكفهرة بغبار العراق الاحمر تحوم غربان
سود فوق طوفان جبار. وهناك في البعيد ، شاهدت ياصدام امك منتصبة بين القبور
بقامتها الشامخة وملامحها الصارمة ونظراتها المهيمنة وهي تمد كفيها نحوك وتناديك
بصوت آمر حنون:
ـ تعال يا وليدي تعال .. انا امك صبحة .. تعال عيني
تعال .. هنا بصدري وبين احضاني اخبيك من الضباع والغربان واحميك من الطوفان ..
تعال يا وليدي تعال ..
حينها يا صدام وانت في سرير كابوسك سترتجف على غير
عادتك وتغمض عينيك هربا من رؤى ليلتك ، بينما يضج رأسك بانشودة كونية باكية من
عويل ضباع ونعيق غربان ونحيبك انت صارخا في البرية مناجيا امك الشامخة بين القبور
:
ـ يمى .. يمى .. آني جاي .. يمى خذيني آني جاي...
ستنتبه الى ان الحارس لم يأتك بعد ، فتضغط الزر مرة
ثانية وثالثة بغضب . هذه المرة الاولى التي يتجرأ فيها على التأخر!
ستتذكر انك عطشان فتفكر بأن تطلب كأس حليبك الصباحي
المعتاد الساخن والمحلى بالعسل . ستشرع بالتمطق بلسانك متخيلا طعم الحليب فتنبثق
صورة امك وهي تعاتبك على امر غامض لا تتذكره . حينها سيعود من جديد كابوس الطوفان
الكاسح والضباع التي كانت تطاردك فتحس بالقرف . تضغط الزر وتصرخ مناديا اتباعك:
ـ لك هاي وينكم .. ماكو احد.. ؟!
ستسقط رأسك على المخدة بينما يدك مستمرة على الزر . هذه
المرة الاولى في حياتك تحس بهذا القدر الهائل من الكآبة والانقباض .. فتفكر بأنك
ربما مريض . ستستعيد بعض احداث يوم امس التي قد تكون ساهمت بتعكير مزاجك : عندما
استلقيت على فراشك في حوالي الحادية عشر مساء ، تذكرت قائمة المحكومين بالأعدام ،
فناديت على حارسك ان يجلبها لك ، ثم عاينتها مرة اخرى وترددت ازاء اسم ضابط شاب
اصله من نفس قريتك . تذكرت امه التي كتبت لك طلب استرحام وذكرتك بأنها الطفلة
الوديعة التي كانت تلعب معك ايام الطفولة . رغم ذلك فأنك وقعت على كل الاسماء
والقيتها الى حارسك ثم تصفحت الجريدة وغفوت .
لكن حارسك مازال غائبا ، حينها ستستغرب
الأمر وتتصاعد فيك مشاعر شك غريب ، فتتناول مسدسك وتقفز من سريرك ، بدشداشتك
البيضاء التي احتفظت بعادة النوم بها منذ طفولتك. ستتجه نحو الباب وانت تصرخ على
الحراس فلا من مجيب .. لا احد .. لا أحد ! في الحمامات وفي الممرات وفي القاعة
الكبيرة .. لا احد لا احد ! تفتح النافذة المطلة على باحة القصر .. لا احد ! ستبدو
اشجار الحديقة وعشبها متيبسة ومصطبغة بحمرة الفجر المتوهج عند ضفاف نهر دجلة. لا
أحد غير كلاب تسرح هنا وهناك .. ستستغرب من المشهد : الكلاب الكلاب ماذا تفعل !؟
عندما تتمعن جيدا ستكتشف هول الكارثة : انها ليست كلاب بل ضباع .. نعم ضباع !
حينها ، ستجتاحك رجفة كالصاعقة وتسري قشعريرة حمى في روحك ، مدركا تلك الحقيقة
المرعبة : أن كابوسك لم يكن حلما بل ها هو يتجلى امامك واقعا اجردا لا يرحم ، عليك
ان تعيشه حتى نهايتك المحتمة !
ستزفر بقوة وتصرخ :
ـ ولكم وينكم ياجماعة .. ماكو احد .. ماكو احد ؟!
لا احد .. لا احد سيجيبك يا صدام .. صرختك
ستتردد في ارجاء الفضاء ليعود صداها ممتزجا بعويل ضباع ونعيق غربان . من دون تفكير
سترتمي على الهاتف وتبدأ بالاتصال بأتباعك ، فلا من مجيب .. ترن الهواتف فتصدح في
اذنك معتمة خانقة. حينها ستفكر بزوجتك (ام عدي) وابنائك ، فتتصل
بجميع هواتفهم ، فلا من مجيب . وعندما تغمض عينيك ستشاهد داخل رأسك خاويا يصدح
بنواح موحش يذكرك بندابات الوطن . فترمي الهاتف وتقفز نحو السلم لكي تهبط ، لكنك
ستتردد كثيرا . ستركض مرتعبا في ممرات القصر وانت تصرخ : ( ما كو احد.. ماكو احد
..)) ، فلا تسمع غير صدى استغاثاتك.
ــــــــــــــ
بعد زمن من الدوران في متاهات قصرك الجمهوري سوف تتعب
وتلقي نفسك فحطانا مجهدا على حافة احدى النوافذ . ستشاهد تحتك نهر دجلة تفيض مياهه
حمراء فوارة . سوف تكتم انفاسك وانت ترى بغداد تمتد على مدى البصر والدخان يتصاعد
من بقاياها الغريقة . لا شيء غير الطوفان وحشود ضباع وغربان تحوم ناعبة بالكارثة
.
حينها ستلمح سيارة (بيك آب) واقفة تحت الشرفة . ستتناول
احدى الرشاشات المهجورة وتهبط بسرعة . عند الباب المطل على الخارج سترتمي عليك
الضباع ، لكنك ستفتح رشاشك عليها من دون ان تنتبه انها لم تكن تبتغي مهاجمتك بل
الالتفاف حولك مثل الكلاب حول سيدها . ستطلق رصاصك نحو الارض والسماء وانت تصرخ
وتهاوش وتقفز نحو السيارة وتقفل الباب عليك وتنطلق بها بسرعة عاصفة ، ساحقا في
طريقك ضباعا وغربانا صدمت الزجاجة الامامية ولطختها بالدماء
.
لا تدري اين تتجه .. لا تفكر الا بالإبتعاد
عن مياه الطوفان الزاحفة التي تغمر كل الطرق. ستندهش وانت تشاهد من بعيد نصب
الجندي المجهول قد اختفت منه قبته الخضراء المشطورة ، ومقر القيادة القومية يتعالى
منه الدخان . ستفكر ان تتجه شمالا الى مدينتك تكريت ، لكن الطوفان القادم من الشمال
يغلق الطرق والجسور . تجد نفسك تتجه نحو الجنوب وتسلك طريق المطار الدولي . لا احد
.. في كل مكان لا احد غير الضباع والغربان والطوفان المتصاعد. يالله.. كم سيبدو لك
آنذاك الوطن كئيبا موحشا بلا انسان. لكنك ايضا ستعترف في تلك اللحظة برغبة دفينة
ما ضننت من قبل انها ستظهر يوما هكذا ساطعة صريحة : هذا هو الوطن الذي كنت تريده
منذ ان وطأت روحك ارضه .. نعم .. ارض قاحلة بلا حياة او بشر الا من عويل ونعيق
وخواء .. وطن من موت ! لولا ارتباكك لما ترددت حينها ان تطلق صرخة انتشاء راحت
تصول في اعماقك .
سوف لن تعير أي اهتمام لبقع الدم المنتثرة داخل السيارة
والقيود المرمية الى جانبك ، لأنك تعرف بانها تابعة لأحدى مجموعاتك الخاصة. ستشعر
بتفاقم انقباضك وتشاؤمك .. حينها ستتذكر فكرة لعينة سبق لك ان قرأتها في صحيفة ولم
تهتم بها بوقتها : ان الموت لا يفاجئ الانسان ابدا ، بل نحن نستعد له ونرغب به قبل اشهر
من حدوثه ! لا تدري لماذا عادت اليك فجأة هذه الفكرة؟ ستستعيد هواجس الموت التي
راحت منذ اشهر تنموا في روحك مثل نبتة اخطبوطية تمد فروعها بين شراينك. ستستعيد كل
علاقتك التاريخية مع الموت . ستتذكر ذلك الطبيب النفسي الذي استشرته
منذ فترة عن سر الكآبة التي راحت تنمو بطيئة في اعماقك .. بعد جلسات عديدة ، انخدع
بكلامك واصرارك على معرفة السبب ، فصرح لك بالحقيقة التي تحاشيت سماعها طيلة حياتك
:
ـ انت يا سيدي تعاني من هوس الرعب، ليس من الموت، بل من
الحياة ..انت تدرك في اعماقك ، وحتى قبل ولادتك بأنك طفل غير مرغوب به.. الله زرعك
في بطن امك من دون مشيأتها . جأت الحياة رغما عنها ، وبقيت انت دائما رمز عشقها
الخائب وحبيبها الغائب. لهذا يا سيدي عليك ان تتصالح مع الحياة.. ان سر كآبتك لأنك
مع العمر بدأت تدرك بأن أوان التصالح قد فات و...
وقبل ان يكمل كلامه صمت عندما رأى نظراتك قد استحالت
الى حجر. بقيت انت صامتا ولم تجبه
بل اشرت له برأسك ان يغادر .. لكنه كما تعرف غادر ولم يعد الى بيته ابدا .. بل لا
زال هناك يرقد في بقعة مهجورة من ارض الوطن المنثورة بقبور ضحاياك..
مالم يدركه ذلك الطبيب الساذج انه كشف عنك نصف الحقيقة
، لأن النصف المتبقي هو الذي تسبب بإعدامه : انك ياصدام ، بخلاف الاطفال غير
المرغوب بهم ، لم تنموا فيك مشاعر الذنب باعتبارك ضيفا طارئا على الحياة ، بل على
العكس ، فأنت نجحت بتحميل الآخرين خطيئة وجودك الطارئ ، واستحالت مشاعر الذنب فيك
الى حقد مسعور ضد الحياة بأكملها . تمكنت ان تجعل الحياة هي الطارئة على الوجود
وانت هنا ماحق الارواح وصانع الدمار. لأنك تعيش الموت في داخلك فأن الانسان الحي
بالنسبة لك هو الانسان الميت . هذا بالضبط المعنى الأصيل لقولك الشهير
:
ـ((إذا ارادوا يوما ان يأخذوا العراق، فأنهم سيجدوه ارضا
بلا بشر...)).
انت ياصدام تحلم بأرض بلا حياة ، بوطن بلا انسان
!
ــــــــــــ
كم سترغب وانت في الطريق الى بابل ، ان تدخن سيجارك
الكوبي الذي ظل صديقك الوفي كاسترو يبعثه لك دائما. لكنك عندما تفتش في ثنايا
السيارة ستجد علبة سكائر اجنبية وبضعة اشرطة اغاني وقنينة عرق (مستكي ) . سوف تدخن
وتحتسي العرق وانت تستمع الى الاغاني العراقية الحزينة وسيارة البيك آب منطلقة بك
في اقصى سرعتها ..
رغم الكآبة المهيمنة على روحك فأنك سوف لن
تشعر بالحزن بل بنوع من الرغبة الجياشة لبلوغ غاية كنت تنتظرها منذ زمن بعيد. رغم محاولتك ان تتساءل عن مصير عائلتك
وابنائك واتباعك الا ان صورة امك ستظل هي المهيمنة على شاشة رؤاك. ستنساب منك ،
ولأول مرة ، دموع حارة صادقة وانت تستعيد طفولتك القاسية اليتيمة.
كانوا يسخرون منك ومن ابيك الغائب ومن امك
البعيدة . لكن امك علمتك كيف تسكت تلك الالسن الوقحة والافواه المهذارة . علمتك
اول درس بالتعامل الحاسم مع البشر. حينما اتيتها باكيا وانت صغير لأن احد اصحابك
عيرك بابيك وبيتمك . صرخت بك امك ان تسكت وتنتظر.بعد قليل نادتك الى الحجرة فوجدت
ابن الجيران عاريا يبكي وهو مكبل بالحبل . اعطتك امك سيخا محميا وطلبت منك ان
تحرقه من خلفه . وبعد تردد حرقته وانت تشعر بلذة لم تفارقك حتى الآن . منذ ذالك
اليوم ارتبط تعذيب الآخرين لديك بلذة الأمومة وحنانها !
عبر نافذة السيارة ستشاهد الضباع لا زالت منتشرة في
انحاء الوطن . ستراها مستمرة تحدق فيك بألفة وخنوع مثل الكلاب . لكن ذلك سوف لن
يمنعك من الاستمرار بسحقها بسيارتك ، وانت تدمدم بشتائم غاضبة مصحوبة بذكريات
انبثقت من اعماق طفولتك البعيدة . ستتذكر جيدا ذلك الفجر عندما كنت في الطريق الذي يربط بين قريتكم
ومدينة تكريت . مسافة ساعات من المسير كنت تقطعها يوميا من اجل المدرسة. كنت تخطو
في طريق المدرسة وحيدا حزينا ، تفكر بأبيك المفقود وامك الغائبة وخالك القاسي الذي
لا زالت آثار صفعاته على وجهك وكلماته الجارحة الشاكية من امك
التي كان يقول عنها (اختي المصيبة). كنت تشعربشتائمه ضد والديك تحفر في قلبك
الطفولي جراحا اقسى بكثير من صفعاته الحامية .
فجأة وجدت نفسك وحيدا بين الضباع. احاطتك
وانت لا تملك غير (المكوارـ العصا) وسكين سرقتها من الجيران. ناوشت هنا وهنالك
وقاومت ببسالة.انتثرت كتبك ودفاترك. صرعت ثلاثة منها وانت تهاوش وتناوش بمكوارك
وسكينتك وتعض باسنانك. لكن الضباع كانت كثيرة .. نعم كثيرة وانت وحيد ياصدام ، بلا
ام ولا اب ، ولا حتى انسان يحميك ويحنو على طفولتك المنبوذة المعذبة .. لا احد ..
انت وحيد بين ضباع غدارة تكالبت عليك وراحت تنهش بلحمك وانت تصرخ وتصرخ حتى فقدت
تماما احساسك بأوجاع لحمك المنهوش. لم يبق لك غير ان تفقد كل أمل بالمقاومة وتسلم
مصيرك الى القدر المحتوم فتتكورعلى نفسك حاشرا رأسك بين احضانك.
لكنك في اللحظة الأخيرة التي كنت فيها تفقد تماما كل
قواك ، وانت تحس بأحد الضباع يحاول ان يبعد بفكه يدك لينهش وجهك ، شممت رائحة
العفن والموت من لعابه الذي بللك . فجأة ومن دون أي سبب واضح تذكرت امك .. نعم
تذكرت امك وتذكرت معها الحقيقة التي سوف تقلب كل حياتك : انك ابدا لن تأسف على نفسك ان تلتهمها
الضباع ، لكنك تأسف كل الأسف ان تموت من دون ان تضع رأسك في احضان امك . فقط ان تضع راسك على صدرها وتتغطى بفوطتها
وتشم رائحة شعرها الحني ، بعدها سوف لن يهمك ابدا ان تنهش بدنك كل آفات الكون .
فقط عندما تذكرت امك في تلك اللحظة بدأت تحس لأول مرة بأوجاع انياب الضباع . من
دون ان تدري كيف سرى فيك نبض الحياة ومن اين اتاك ذلك الجبروت لكي تنهض وتنتفض
وتطلق صرخة وحشية متفجرة من اعمق اعماقك ، ومفعمة بكل مكنون كيانك
:
ـ يمى .. يمى تعاليلي .. يمى خلصيني..
كانت صرختك من العنف بحيث ان الضباع نفسها لم تعرف
مثيلها ابدا حتى تجاوز تأثيرها حدود المتوقع ، فما كان منها الا ان تبتعد عنك
قليلا فقليل وهي ترمقك بنظرات غريبة ليس فيها أي اثر للنهم والافتراس بل فيها
الكثير من التودد والخنوع . حتى الآن لم تجد التفسير المعقول للأمر. هكذا حدث لك
ذلك انت الفتى المنهوش الثياب والبدن والروح ، المعفر بالدم والتراب وبقايا الضباع
. لم تكن تشعر بأوجاعك ، بل كان يغمرك احساس لذيذ بأنك خرجت توا الى الحياة .. ان
ولادتك الحقيقية قد بدأت الآن بين انياب الموت وغدر الحياة..
منذ ذلك اليوم لم تشعر ابدا بالخوف وانت تسلك طريقك
وحيدا ، لأنك تيقنت في اعماقك بأن الضباع صارت تهابك ، وانك سوف لن تهابها ابدا في
حياتك . صارت عندما تراك تلهث وتحوم حولك مثل الكلاب ، وانت تعاملها بكل احتقار .
منذ لحظة نجاتك ادركت بأنك امتلكت تلك القوة الروحية التي تؤهلك للسيطرة على كل
الضباع ، بل حتى على الرجال الذين يشبهون الضباع .
ــــــــــــــ
هكذا كما ترى يا صدام ان القسوة لا تخلق الا القسوة
مثلما الموت لا يخلق الا الموت .. منذ ان نجوت من تلك النهاية المحققة عرفت ان
ملاك الموت قد عقد اتفاقه الأسطوري معك : عليك ان تقدم له القرابين لكي يؤجل حتفك
.. تقدم له الاضاحي كل يوم كي يتركك حيا .. لقد اصبحت متعتك الكبرى ان تنتقم من الحياة . ان تستمد
حياتك من موت الآخرين وقيمتك من عذاباتهم . وعندما كان يشتد بك الحنين الى امك
وتزيد الحياة من قسوتها عليك ، كنت تلجأ الى الحيوانات . وجدت عزائك في تعذيب
القطط والكلاب . تلاحاقها وتضربها وتنصب الشباك لأصطيادها ثم بالفأس تكسر اقدامها
وترجمها وتسحلها وتحرقها ، وبعد ان تتعب منها كنت تلقيها في المستنقعات ، وتمضي
الساعات بمشاهدة عذابات غرقها واحتضارها . بعدها تحس بالراحة والأمان . بعض
الاحيان كنت تأخذ تلك القطط والكلاب الجريحة وتلقيها الى ضباعك التي تسرع الى
نهشها بدون رحمة ..
حتى في الايام التي كنت تمضيها قريبا من امك في بيتها،
كنت تعاني من ويلات العذاب وانت تراها مع رجل آخر غير ابيك الغائب ، وتجبرك على
رعاية اولئك الاولاد الذين كانت تقول لك انهم اخوتك .. لكن يالهي ان ابيهم ليس
ابيك! لم تنسى ذلك الحادث عندما كنت مع اخيك الأصغر برزان على شاطئ دجلة . كم
احسست بلذة وانت ترقبه وهو مشرف على الموت غرقا . بقيت جامدا في مكانك قابضا على
الطين تصنع منه كائنات ثم تقطعها وتسحقها.. لولا ظهور امك المفاجئ لتركته يغرق .
عندما رأيتها اصطنعت الارتباك ورميت نفسك الى النهر وانقذته . لكن امك ادركت
الحقيقة ، ومن دون ان تعاتبك قررت ان تبعدك عن اخوتك ، فأرسلتك عند خالك في بغداد..
لكن الحياة في بغداد جعلتك تدرك ان الضباع يمكن ان
ترتدي جلود بشر. لم تستقبلك هذه المدينة باحضانها ومباهجها كما كنت تنتظر، بل
رفضتك بكل قسوة واطلقت عليك احكامها الجائرة وانت الريفي اليتيم . كان الأولاد
يسخرون من شكلك ومن لهجتك ومن ثيابك ، بل حتى اسمك جعلوك تكرهه، وكم رغبت بشدة ان
تغيره . لكنك بفضل امك ادركت انه يناسبك تماما . قالت لك بثقة : ياوليدي هو( اسم
على مسمى ) ، حتى اقنعتك بأنك حقا الفتى الصادم والضارب والماحق للحياة . في بغداد
ادركت انه ليس هنالك ضباع تنتظرك في الطرق، بل هنالك بشر اشد فتكا وغدرا من الضباع
ينتشرون في كل الطرق وزوايا الحياة . فعرفت انك لكي تظل حيا عليك تدجينها مثلما
دجنت ضباع تكريت .. ان تحولها الى كلاب ذليلة مطيعة . لهذا فأنك حافظت على حمل
السكين ، بل رحت تحمل معها ايضا مقبضا حديديا مسننا ، مزقت به عشرات الوجوه ونشرت
الرعب في المدرسة وفي المنطقة حتى راح يهابك الجميع صغارا وكبارا بما فيهم
المدرسين انفسهم. احطت نفسك بمجموعة من الاتباع الضباع تمارس عليهم سطوتك وجبروتك لينهشوا
بلا رحمة من تشاء .
ما ان قوي عودك حتى طلبت من خالك مسدسا
وابديت له استعدادك ان تقتل احد اعدائه من الشيوعيين وهو من ابناء عمومتكم . عندما
افرغت رصاصاتك في جسمه وسقط امام بيتهم وبدأت زوجته بالصراخ والنحيب ، احسست حينها
يا صدام بلذة غريبة ، وفي نفس اليوم وانت مختبئ في احد بساتين دجلة اكتشفت لأول
مرة نشوة رجولتك وانت تستعيد مشهد نزيف الضحية ونحيب الزوجة
!
ــــــــــــــــــــ
وانت في السيارة تشق الطريق الى بابل ، ستتأفف من كل
تلك الذكريات يا صدام . لم تكن تهتم في طريقك لمعاينة المدن والقرى المتناثرة ،
فهي تشبه بعضها البعض مهجورة بائسة كئيبة تسرح بطرقها الضباع وتعلو سماواتها
الغربان والدخان . لكن فجأة سيسودك شعور كأنك بلغت مرامك وانت تجد نفسك امام مقبرة النجف . ستشعر
كأنك سبق وان عرفتها رغم انها المرة الاولى التي تراها في حياتك . وقبل ان تبتعد
كثيرا في السؤال ستدرك بأنها مقبرة كابوسك!
ستهبط من السيارة فتحيطك الضباع كعادتها القديمة تحوم
حولك كالكلاب. كما في كابوسك ستبدوا القبور على مد البصر، كأن البشرية كلها مدفونة
في النجف .. كم من القبور انت المسؤول عنها : ملايين قضوا نحبهم بالاغتيال وبالأعدام
والتعذيب ، بالاضافة الى الحروب والمجاعات ..قبور فوق قبور وقبور تؤدي الى قبور وقبور
تحاذي قبور ..
فجأة ستنتبه الى ان الطوفان راح يقترب ويغمر القبور
بامواجه العملاقة وهي تأتيك فاتحة اشداقها كوحوش كاسرة تلتهم الضباع وتطاردك انت
ايضا . سوف تركض واثبا بين القبور وهي تنخسف بك واحد بعد الآخر .. وانت في حيرتك
ستشاهد من بعيد ، كما في الكابوس ، امك شامخة بين القبور وهي تناديك لتأويك بين
احضانها . فتركض وتركض والضباع تحوم حولك مرتعبة لاهثة ، فتسقط وتتعثر بالقبور
المنخسفة والمياه ستبدأ تغمر الطريق الى امك .. لكنك ستقاوم وتقاوم وانت تصرخ
طالبا منها العون .. ستزحف وتزحف حتى تبلغ امك التي ستأخذك بين احضانها الحارة
المعتمة وتؤيك معها في اعماق حفرتها . آنذك فقط يا صدام ستنتابك مشاعر بالأمان لم
تعرفها ابدا في كل حياتك .
بينما احضان امك تبتلعك والطوفان يغمرك سوف لن تنتبه في
تلك اللحظة الى زهور شقائق نعمان في كل مكان راحت تشق القبور وتطفوا على سطح
الطوفان فتمتزج حمرتها بشعاع الصبح المتصاعد لتضفي على الوجود الوان قزحية مثل
ألوان الحياة …