قصة قصيرة: إغتيال الذات
سليم مطر، جنيف
http://www.salim-matar.com/
اخيرا في هذه الليلة الليلاء بدأ ( س ) بتنفيذ عملية
اغتيال رئيس بلاده التي كان يهيء
لها منذ اشهر طويلة. لعله معتوه او واهم لخوضه مثل هذه المغامرة المتهورة؟ لكنه
الآن مقتنع بأنه انسان واقعي وعاقل جدا، ولديه كل المبررات لارتكاب مثل هذه
الحماقة. هو بكل بساطة : شبيه الرئيس.. منذ سنوات ومهنته الرسمية ان
يكون شبيها لرئيس دولته. يحل محله في تأدية المهمات التي قد يكون فيها سيده عرضة
للخطر..
تراه الآن يحبو مثل جرذ جريح بين الممرات المظلمة
محاولا قدر الأمكان تحاشي اجهزة الانذار التي قام بابطال مفعول اغلبها. خلال عمله
في القصر الجمهوري تمكن من جمع المعلومات الكفيلة بتسهيل خطته. توصل الى طريقة
آمنة لفتح الباب المؤدي الى الملحق السري لمبيت الرئيس. الملحق نفسه يخلو من الحراس لأن الرئيس يفضل
ان يكون وحده تماما اثناء نومه، فهو ليلا لا يأتمن حتى حراسه الشخصيين. رغم كل
المخاطر، فأن ( س) لا يشعر بالخوف قدرما يشعر بتأنيب ضمير لأضطراره القيام بأغتيال
رئيسه وسيده ومالك نعمته وروحه.
كيف يسهل عليه ان يغتال ذلك الانسان الذي مهما حقد عليه
فأنه رغما عنه اصبح جزءا من حياته. بعد هذه الاعوام من تقمصه لشخصيته تسلل الرئيس
كثعبان الى دواخله ونفث روحه في دمه حتى استحال هو.. هو..!
لم يحسب (س) ابدا انه سينتهي الى هذا المصير اللعين.
الذنب ليس ذنبه، بل الرئيس هو الذي اصر على امتلاك كيانه ومسخ حياته الى جحيم.
ياترى هل يتأسف الآن على تخليه قبل عشرة أعوام عن درب ابيه الورع والسير في ذلك
الدرب الشيطاني. لن ينسى يوم قرر الالتحاق بكلية القوة الجوية، لا لأنه كان يرغب بها حقا، بل من
اجل الانتقام من حبيتيه التي اذلته وتخلت عنه من اجل ضابط عسكري بهرها بنجومه.
اثناء فترة الدراسة الاولى خيل له بان اختياره للطيران لم يكن محض صدفة. شعر بأنه
يحقق رغبة صوفية مندثرة في اعماقه بالصعود الى السماء والإقتراب من ربه. كان يحس
بمتعة مفعمة بنوع من التعبد الخفي عند التحليق في رحاب الفضاء المطلق بأنفتاحه
وإتساعه. كان يقوم بطلعاته بشعور من يمارس طقسا يسمو بروحه في متاهات اللا محدود.
لكن الحقيقة ظهرت عندما بدأ فعليا القيام بعمليات القصف ضد متمردي الوطن وضد
الجيران. ظل في البدء مترددا يخشى التحديق في السماء لأنها صارت مرآة تفضح ذلك
الجزء الشيطاني المشوه من ذاته. كان ذلك الهاجس يبدو مثل سرطان ينمو ويكبر ويجتاح
كل ماهو حي ونبيل والهي في كيانه. شرع بين حين وآخر يطلق صرخاتا وحشية لكتم كلمات
ابيه الزاهد وهي تصدح في سموات
حربه: ((الله يا ولدي هو الذات، ومن لا ذات له لا إله له..)).
* * *
لكنه الآن بعد مضي تلك الاعوام العجاف لم يعد يمتلك في
الحياة ما يستحق الوجود. تراه الآن يزحف في متاهات القصر الجمهوري المظلمة. لا
يدري ما له قلبه ينبض بحنين منسي الى احضان امه؟ احساس غريب كأنه مقبل على حياة
جديدة. منذ ان شرع بقتل سيده في كوابيسه وهو يحس بأنه سيولد من جديد! يجب ان يتجنب
اجهزة الانذار التي تملأ الجدار. دفىء منعش يتسرب من هذا الظلام الدامس الذي لا
تتخله غير شذرات ضوء عيونه القلقة، كصياد في غابة وحوش كاسرة.
لم يفقه حتى الآن كيف انه متيقن في اعماقه
بأن سيده نائم في الملحق هذه الليلة؟ رغم ان الرئيس ليس من عادته ان يخبر حتى
حراسه ولا زوجته بمكان نومه. يترك الأمر خاصا به لآخر لحظة. لديه ما لا يحصى من
المخابئ السرية والقصور المحصنة المترامية في انحاء الوطن.
كم من ليال ونهارات امضاها (س) وحيدا متفكرا
قبل اقدامه على مغامرته هذه؟ ظل لايام وايام يجهد لتجنب النوم عسى ان يتخلص من رعب
كابوس ظل يراوده بأصرار. كان يرى نفسه يقوم بإغتيال الرئيس خنقا بحبل غسيل يجلبه
من بيته. بينما عنق الرئيس بين قبضته وهو يفقد انفاسه الأخيرة يستيقظ فزعا على مرأى
عيني سيده جاحظتين محتضرتين!
رغم اصراره وقناعته فأن له ضميرا منخورا ينوح مثل كائن
جريح. ليس له أي بديل، ما دامت روحه لم تعد ملكه. قد يسترجعها بموته. رئيس احمق
زائف زيف روحه وارواح الوطن بأكمله. هو الذي اصر على تدميره. لم يخطر ببال (س)
خلال حياته كله وحتى اثناء سنواته كطيار، من ان يقترب يوما من الرئيس. السياسة
كانت آخر ما يستحق منه الأهتمام. لكنهم اعجبوا ببطولاته. عمليات القصف الوحشية ضد
اعداء الدولة جعلتهم يختارونه لتقلد وسام الشجاعة من قبل الرئيس نفسه. كانت المرة
الأولى التي يقابله هكذا مباشرة. وقف امامه وهو يعلق الوسام على صدره. انتبه (س)
حينها الى اللون الأسود الفاحم الذي بدا عليه شعر الرئيس وشاربه وحاجبيه. قال في
نفسه لا بد ان يكون شعره منسوجا من خيوط الليل. لكن ظنه خاب عندما لمح زغبا خفيفا
كان شيبا لم يستره الصبغ! حدق فيه الرئيس بنظرة حادة متفحصة والتفت الى حارسه
الخاص وهمس في اذنه. تجنب (س) النظر الى عينيه احتراما ووجلا.
بهرته كثافة حاجبيه النسريين الجارحين. شعر بنظرة الرئيس نحوه ليست شريرة بل فيها
بعضا من الاعجاب والتعاطف. لم يحسب انها كانت تخفي له مصيرا لم ينتظره ولم يتخيله
ابدا!
بعدها بأيام اتصلوا بـ (س) من مكتب القصر
الجمهوري. ارتعب لأنه لم يتوقع ذلك. طلبوا منه الحضور في موعد محدد من اجل اجراء
خاص. عند الموعد وبعد تفتيش دقيق وصارم بالأيدي والآلات وجد نفسه فجأة امام الرئيس
نفسه، بلحمه ودمه وببزته العسكرية المنقوشة بالنجوم والنياشين والصقور الذهبية!
رحب به الرئيس واجلسه مقابله. راح يطالع اضبارة كبيرة
ويسأله عن احواله وعن ماضيه وعن عائلته وعن اهتماماته وهواياته ومعارفه، عن كل
شيء! فقط اثناء تلك الجلسة بدأ (س) يلاحظ التشابه بين الرئيس وابيه الزاهد. الفرق
الوحيد ان اباه كان انحف واقصر وفي نظراته حنو وشفقة لم يجد لهما أي اثر في عيني
الرئيس. مضت ساعة وهو يجيب على اسألته. يترقب بلهفة معرفة غايته من كل هذا. كانت
بقعة من شمس متسللة عبر النافذة تسقط على نجوم الرئيس ونياشنه الذهبية فتعكس على
وجهه وهجا ناريا. في تلك اللحظة لاحت في خيال (س) صورة الشيطان التي كان يرسمها له
ابوه وهو يحثه على السير في درب التقوى والايمان! اطرق (س) رأسه خشية ان يرى
الرئيس افكاره. تفاقم قلقه عندما صمت الرئيس واتكأ على كرسيه وراح يتمعن به بنظرات
خارقة باردة. يقينا انه كان يتفحص دواخل (س) واحشائه ويقلب وريقات دماغه. خاطبه
بصوت واطئ لكنه حارق خارق آمر:
ـ اسمع، انا ليس من عادتي ان امنح ثقتي لأي انسان.
الشخص الذي امنحه ثقتي يجب ان يكون بمستوى المسؤولية بكل معنى الكلمة.. يعني واجب
الوطن يفرض واحد من خيارين لا ثالث بينهما : اما الاخلاص والسير حتى النهاية، اما
التردد والجبن واستحقاق الموت كأي خائن..
توقف عن الحديث وهو يخرج سيكاره. اومأ له ان يتناول
احدها. طبعا رفض (س) بكل أدب وتناول قداحة موضوعة على الطاولة واشعل سيـكار سيده.
اخذ نفسا وخاطبه بكلمات من دخان:
ـ بالحقيقة، بعد الاطلاع على اضبارتك وصورك وتقارير
المخابرات وشهادات المختصين، اقتنعت انك مؤهل بأن تقوم بالمهمة الوطنية الشريفة
التي لا يستحقها الا قلائل من الناس..
لم يفقه (س) كم دام صمت الرئيس وهو ينظره بعينين
صقريتين. كان (س) غارقا في مراقبة دخان السيكار المتصاعد الذي يذكره بسنوات حربه.
العبق الكوبي الفواح بث في بدنه خدرا لذيذا. كم رغب بالنوم. انتبه لنفسه وصوت
سيادته يصدح في رأسه:
ـ قررت ان تكون شبيهي.. نعم قررت ان اوكل لك مهمة
حمايتي وتكون بديلا عني في الحالات الخاصة. يعني ان تكون.. انت.. انا.. فهمت؟ اذا كان عندك سؤال تفضل..
لكن (س) بقي صامتا. شعر بالأسئلة مزدحمة وهي تنط ثائرة
في رأسه مثل جرذان محصورة في قفص. لهذا فضل الصمت. من دون علمه خرجت من فمه بضعة
كلمات متقطعة تعلمها في حياته العسكرية :
ـ انا بأمرك سيدي...
حينها اشار الرئيس اليه بابتسامة عطوفة ان يخرج. اصطحبه
احد الضباط الى المكتب الخاص الذي سيشرف على كل نشاطاته.
* *
*
لكن (س) في ليلة الاغتيال هذه واثناء زحفه
يشعر بالضيق من حبل الغسيل الملفوف حول بطنه. كم يود ان يقطعه ويتحرر منه.. لا
يدري بالضبط لم اختاره؟ ربما من اجل تحاشى ضجيج السلاح؟ أو بتأثير ذلك الكابوس
الذي ظل يراوده منذ ايام؟ لم يفهم ذلك المشهد الذي تكرر في كوابيسه الاخيرة.. كأنه
كان جنينا يختنق بحبل الميشمة! ماذا ستفكر زوجته عند ستكتشف غدا اختفاء حبل
الغسيل؟ لابد انها...لا يدري ماذ جرى لرأسه؟ هنالك خلل بدأ يشوش خيالاته..غريب..
في هذه اللحظات الاخيرة من عمره يكتشف انه قد نسي تماما وجه زوجته!! ما هذا الذي يراه
في رأسه.. انه وجه آخر.. نعم وجه آخر.. من ياترى ؟!
ها هو اخيرا يتجاوز نهاية الممرات المظلمة.
يجد نفسه في القاعة التي يتخذها عادة حراس الرئيس مقرا لهم في النهار. رغم انطفاء
المصابيح الا ان هنالك ضوء شاحب يتسلل عبر النافذة الصغير المطلة على باحة القصر
الجمهوري. يزحف حتى النافذة فيبهره القمر البدري وهو يعلو السماء محاطا ببحر حليبي
تطفو عليه نجمة الصباح بقارب من شذرات فجرية. على الارض المحيطة بالقصر تجول
مجاميع الحراس هنا وهناك في الشوارع والمداخل والبوابات العديدة. رغم تعبه فأنه
شعر بنوع من اللذة وهو يكتشف قدرته على السخرية من جبروت هؤلاء الحمقى. يالهم من
سذج وتافهون..تراهم قد اعدوا العدة لمواجهة مختلف الطوارئ
من هجوم جيوش حتى قصف طائرات، لكنهم ابدا لن يتوقعوا ان هنالك انسان يحبوا مثل جرذ
في الممرات السرية في طريقه لأغتيال رئيسهم.
الآن فقط يشعر(س) براحة ضمير وهو يردد بأنه (رئيسهم )
هم وليس (رئيسه) هو!! لقد تغير منذ ان اكتشفت ذلك السر الذي خيب كل آماله وحط من
قيمة سيده الذي كان يطلق عليه بكل صدق وفخر (الأب القائد)، والذي كرس كل حياته من
اجل الحفاظ على حياته. بل شخصيته بأكملها صارت جزءا من شخصيته. لن ينسى ذلك اليوم
الذي وافق فيه ان يهجر الى الابد وظيفته كطيار، ليصبح شبيها لرئيسه وسيده ومالك
حياته. في البدء اجروا له عدة عمليات جراحية صغيرة لتعديل بعض ملامحه: تصغير الانف
من الاعلى، وتوسيع الحاجبين، وتكبير الشفة السفلى. ثم طلبوا منه ان يتبع رجيما
غذائيا يزيد بضعة كيلوات من وزنه. بقي خلال اسابيع يخضع لدروس خاصة من مخرج مسرحي،
كان يعرض عليه افلاما وثائقية تصور الرئيس في مختلف الحركات والاوضاع، لكي يدرسها
ويحفضها ويجهد من اجل تقليدها بأدق صورة ممكنة. بعدها راح يشاهد ويستمع الى
خطاباته، ثم يقوم بأعادتها مع نفس الحركات ونفس الالفاظ. بعد ستة اشهر من الدروس
والتمارين قابل خلالها الرئيس مرات عديدة لكي يدرس عن قرب حركاته وملامحه.
في كل مرة كان يشاهد فيها رئيسه يسترق النظر الى وجهه فيرى فيه الكثير من
ملامح ابيه، لكنه عندما يتجرأ احيانا ويطيل النظر للحظات كان بصورة لا إرادية يرى
في عينيه نظرات شيطان طفولته الذي كان يحذره ابيه من إغوائه. حينها كان يخفض بصره
ويلعن في اعماقه تلك الرؤى الخطرة. رغم حراجة الموقف الا انه رغما عنه كان يفكر
بنوعية رائحة الكولونيا التي كانت تفوح من وجه الرئيس، ويسأل نفسه إن كانت زوجته
الجديدة هي التي بخرته بها قبل خروجه؟
كان (س) يعرف جيدا ان سلاح سيده الأول والاكبر هو قراءة
عيون الآخرين، وما ان يلمح فيها أي بارقة سوء مهما كانت ساذجة فأن مصير ذلك الشخص
اصبح في حكم المنتهي. طيلة سنوات خدمته المتفانية كان اشد ما يرهبه فيه تلك القدرة
الخارقة على قراءة شخصية أي انسان عبر عيونه. كان الرئيس قادر على إكتشاف الخائن حتى قبل
ان يفكر بخيانته.. لهذا فأن مبدأه الأول والمختصر لكل وجوده الشخصي والسياسي:
((ليس مؤسفا ان تقضي على انسان بريء، بل المؤسف ان لا تجعل منه عبرة لكل من قد
يفكر بخيانتك..)).
الآن في هذه الليلة الاخيرة من عمره وبعد كل
هذه الأعوام، ورغم كل الاحداث الجسام التي مرت في حياته، فأن صورة واحدة لا زالت
تؤرقه وتأتيه كوابيسا مرعبة في نومه وفي صحوه: عيون الرئيس ونظراته الحجرية التي
تجتمع فيها كل معانات وشكوك وشهوات وحوش التاريخ لحظة انقضاضها على فريستها!!
* * *
يستمر زحف (س) الآن نحو غرفة الرئيس التي بان بابها في
نهاية الممر. انه يستغرب احساسه هكذا بالتعب! صحيح ان عمره دخل الاربعينات، الا أن
حياته العسكرية ورياضته اليومية تمنحنه شبابا وقدرة جيدة على التحمل. الاغرب من
هذا، وبينما كان يحك عنقه، اكتشف بأنه مترهل وتتخله اللغود، كأنه كبر بالعمرة فجأة!
على بقايا ضوء شاحب يلمح فوق الحائط صورة الرئيس وهو
يطل بوجهه اللامع المتورد بالشباب والعنفوان. شعر بأسف وقرف لأنه يعرف جيدا مدى الزيف الذي تحمله هذه الصورة،
انها تمثل سيادته منذ اكثر من عشرين عام! رغم السلطان العجيب الذي يتمتع به وقدرته
الهائلة بالتحكم بحيوات جميع الناس، الا انه ظل عاجزا تماما عن مواجهة الحقيقة
الأبدية المتمثلة بسلطان الزمان وجبروت العمر.. درب الحياة المحتم. يمكن ان تغتصب
كل اموال وثروات البشر لتضيفها الى املالك، لكنك ابدا لن تستطيع ان تضيف الى عمرك
ساعة واحدة حتى لو اغتصبت حيوات جميع البشر.. في نداءات الفناء تكمن عذابات كل الطغاة على مر التاريخ
!
تذكر (س) انه بعد الدورة اللعينة على يد ذلك المخرج بدأ
القيام بمهمته على اكمل وجه. كان يتوجب عليه ان يكثر التغذية لكي يزيد من وزنه
بضعة كيلوات. فرضوا عليه ان يحلق لحيته وشاربه كل يوم، وان يضع على عينيه نظارات
طبية لكي يبعد عن نفسه أي شبه بالرئيس اثناء حياتي العادية. طبعا لا احد يعرف بحقيقة عمله الا
زوجته، فهو بالنسبة للجميع يعمل في اجهزة القصر الجمهوري، لا أكثر.
كان يمضي الساعات في احدى مكاتب القصر يساهم
مع آخرين بترتيب زيارات الرئيس ونشاطاته. وعندما يتقرر ان يحل محله، يقوم المختص
بالتجميل بوضع شاربه الأصطناعي الشبيه بشارب الرئيس وينثر على وجهي بعض المكياج
الذي يلغي الاعوام العشرين التي يكبره بها سيده، وهي تقريبا نفس
الأعوام التي كان يكبره بها ابيه!
كانت مهمته تشتمل عدة امور مختلفة : مثلا،
يكون (س) في السيارة الرسمية بينما
الرئيس مختف في احدى سيارات الحرس. يقوم احيانا بزيارة خاطفة لأحدى المواقع
العسكرية على جبهة الحرب، وكان المطلوب منه القاء بعض الجمل المحفوظة مسبقا،ان
يتحاشى الجلوس والحديث المفصل مع القادة لألا يجلب شكوكهم الى حقيقة شخصيته،
وخصوصا ان الجميع قد سمعوا عن شبيه الرئيس. كان المطلوب من المصورين في هذه الحالة
التقاط صوره من بعيد.
رغم المخاطر التي تعرض لها والجرائم التي
اضطر ان يشارك بها، الا انه خلال العامين الأولين عاش في بحبوحة وانتشاء وهو يمارس
متعة السلطة والنفوذ على الجميع، عدى الرئيس طبعا، فهو الوحيد في الوطن كله كان
قادرا على تجاوز سلطته بل الغائها تماما وروحه معها إن شاء! واشد
ما كانت تزعج (س) تلك الهواجس التي كانت تأتيه على شكل كوابيس احيانا منذ ان توصل
الى تلك القناعة الجنونية بأنه قادر على تصفية الرئيس واحلال محله من دون ان يعرف
أي أحد بذلك!!
كان (س) يجهد بصورة دائما من اجل اتقان دوره والحفاظ
على قوة اعصابه في اشد الحالات حرجا. وكان عند أي تقصير يتعرض لتوبيخ مباشر من
سيادته. ثم يأمره بالبقاء تحت إمرة ذلك المخرج اللعين من اجل تعليمه السيطرة على
ذاته وعدم الانقياد للعواطف "الخنثوية" على حد تعبير سيادته. حينها
عندما كان (س) يخفض بصره خجلا يرى حذاء الرئيس يقدح من الغضب!
كان (س) يقف امام المرآة لساعات محدقا بوجهه وعيونه وهو
يردد:(( انا الرئيس انا الرئيس انا الرئيس...)). راح يقرأ جميع كتاباته وخطاباته
حتى انه حفظ الكثير منها مثل أي قصيدة. كان يسهر الليالي بمشاهدة افلام الفيديو
التي تعرض جولاته وخطاباته. راح يدرس حركاته بكل تفاصيلها ويقوم بتكرراها مرات
ومرات حتى يجد نفسه في الصباح مستلقيا على بلاطات بيته وزوجته فوق رأسه توقضه وهي
تتسائل عن سر عذابه.
مع الأيام راحت شخصية الرئيس تتقمص (س) حتى غطت تماما
على شخصيته. تأتيه ساعات كان ينسى خلالها ماضيه الشخصي ليحل محله ماضي الرئيس نفسه
الذي عرف بعضه من خلال ماسمع وما قرأ عنه هنا وهناك. لكنه العجائب راحت تتكاثر في
الاعوام الاخيرة. كان يندهش ان تأتيه احلام فيها احداث واماكن واشخاص ليس لهم أية
علاقة بحياته الشخصية السابقة. وعندما بحث وجد انها كانت جزءا من ماضي الرئيس!
مثلا ان (س) لم يرى مدينة الرئيس الاصلية في حياته كلها، وذات يوم قام بزيارتها
واذا به يكتشف انه سبق وان عرف الكثير من معالمها ودروبها من خلال احلامه! وتصاعدت
فيه الرغبة حتى انه ذهب الى القرية التي كان الرئيس قد امضى طفولته فيها، واذا به
من دون معونة يتجول في ازقتها وكأنه عاش فيها لسنوات وسنوات
!!
* * *
الآن فقط، وهو يزحف في الظلام الدامس، ينتبه الى نفسه
انه طيلة الوقت كان يرتدي بدلته العسكرية! بل، يا لله، تحت ضوء القمر يرى انه
يرتدي بدلة الرئيس.. نعم بدلة الرئيس بنجومها ونياشينها وصقورها، التي لا يحق لاي
انسان ارتدائها الا في المهمات المحددة وتحت اشراف الجهاز الخاص. ثم كيف تمكن من
الحصول عليها، وما الذي دعاه الى ارتدائها في هذه الليلة بالذات!؟ انه حائر.. ثمة
امور كثيرة غريبة ومبهمة لا يجد لها أي تفسير !
فكر انه لا بد ان يكون متوترا الآن ويعاني من بعض
الهذيانات التي اربكت حياته وسيطرته على سلوكه. حالته النفسية بدأت تتأزم منذ ذلك
اليوم اللعين الذي اكتشف به ذلك السر الذي قلب حياته رأسا وهدم كل البناء الذي
شيده خلال سنوات طويلة من التضحية والاخلاص لرئيسه وسيده. في ذلك اليوم الذي فوجئ
فيه يقدمون اليه رجلا تصوره الرئيس نفسه، لكنهم قالوا له انه شبيه جديد سوف يشاركه
مهماته. طلبوا منه الاشراف على تدريبه وتحسين مستواه من اجل مشاركته في عمله،
وخصوصا بعد ازدياد المخاطر التي راحت تهدد حياة سيادته والحاجة لأكثر من شبيه كي
يقوم بتأدية المهمات الكثيرة المطلوبة.
لا يدري(س) كيف يغطي خيبته وهو يشاهد ذلك البائس الجديد
الذي يحاول ان يشاركه في دور حياته، ويغتصب منه شخصيته هو، روح رئيسه التي اصبحت
روحه هو. والانكى من هذا ان اللعين كان ممثلا متخصصا وداهية بتقليد شخصية الرئيس
باتقان فائق يثير الاعجاب، حتى انه جعل (س) يشعر بضعفه وهرمه على دوره. كان تشابهه مع الرئيس
يتجاوز المعقول، ورغم ان (س) الذي اشرف على تدريبه فأنه كثيرا ما كان يشتبه به ويأخذ له التحية معتقدا انه
الرئيس. كان اللعين يسخر منه ويمارس دوره ويصدر له بعض الأوامر، ثم بعدها يضحك منه
امام الجميع.
صحيح انه كان شابا وديعا وطيب القلب ويتقن النكتة، الا
ان (س) رغما عنه قد غلبته غيرته. لم يتمالك السيطرة على فرحه عندما بلغه فجأة خبر
اعدامه السريع من دون محاكمة وبأمر حازم من الرئيس. لم يفهم (س) ماهي جريمة هذه
الشبيه الاحمق. جميع الذين سألهم تلكأوا وتهربوا من الموضوع!
ان حادثة اعدام الشبيه الجديد جعلت (س) يتوغل
في متاهات جهنمية لم يكن يحسب لها أي حساب طيلة السنوات السابقة. ذات ليلة تجرأ
وفتح خزانة مدير المكتب الخاص وبحث في الأضابير السرية الخاصة بنشاطاتهم. من خلال
التقارير العديدة تبين له ان الرئيس بدأ يستخدم الشبيهين به منذ سنوات طويلة، وان
هنالك اربعة قد سبقوا (س) في عمله، والعجيب ان اربعتهم قد تم اعدامهم او اختفوا من
الوجود بحوادث مؤسفة حسب تعبير التقرير، وان ذلك المسكين كان خامسهم
!
كان بالأمكان ان تبدوا مثل هذه المعلومات
عادية ومتوقعة، لولا ان (س) ما اطلع ايضا على ذلك التقرير المدموغ بعبارة ( سري وخاص
جدا ). كان يتحدث عن بضعة محاولات قام بها بعض الشبيهين بالتخطيط لاغتيال الرئيس
وإخفاء جثته ليحل محله من دون جلب الانتباه! لم يذكر التقرير كيف تم اكتشاف هذه
الخطة! بعده مباشرة يتحدث تقرير آخر عن اخبار سرية تذكر ان هنالك صراعا صامتا بين
عدة مخابرات عالمية تعمل على استخدام الشبيه من اجل إزاحة الرئيس وفرض رجلهم
الشبيه المطلوب!
ان اطلاع (س) على هذه الحقائق الخافية كانت بمثابة
عاصفة اجتاحت كيانه والهبت غابة روحه. اندلعت نيران شكوك عاتية واسئلة جامحة تؤدي
الى اسئلة واسئلة تتمحور حول الاستفهام التالي: من يضمن بأن أي من هؤلاء الشبيهين
ما نجح بخطته وتمكن من ان يحل محل الرئيس؟ إذن من المعقول جدا ان الرئيس الحالي
ليس هو الرئيس الحقيقي.. بل هو احد شبيهيه ممن تمكن من قتله واحتلال محله من دون
علم احد! بل من المعقول ايضا ومن الممكن جدا ان الشبيه الذي ازاح الرئيس الأصلي قد
تم ازاحته هو ايضا من قبل شبيه آخر، وهذا يفسر كثرة اعدامات الشبيهين
!!
عند هذا الأستنتاج الجهنمي شعر (س) بأن الأمور قد خرجت
من سيطرته وتجاوزت حدود المعقول. هو إذن ليس اكثر من شبيه لشبيه لشبيه.. لا احد
يعرف الى أي حد! انه دمية تحركها دمية تابعة لدمية حتى اللا منتهى ؟!
* * *
هاهو(س)
يبلغ اخيرا غرفة سيده. انه يستغرب، رغم وجود اربعة ابواب متقابلة، الا انه
من دون تردد اتجه الى الباب الثاني الايسر وكله يقين انه باب غرفة الرئيس! يعرف ان
المسألة ليست مسألة حدس، بل ثمة يقين عميق في دواخله وكأنه يعرف المكان جيدا وانه
دخل الى غرفته الشخصيه هو.. ياله من هذيان !؟
رغم الصمت المظلم الا انه يسمع وابل مطر يهطل مدرارا
على قلاع روحه، وريح هوجاء تعصف ببوابات قلبه، وثمة رعد رعديد، يالله، يهدر جبارا
كاسحا لايرحم حشاياه الجريحة، فترتج بين اضلاعه صرخات خرساء لا تسمعها إلاّ تلك الأرواح الكونية الحائرة مثله.
انه لم يتخذ قرار الاغتيال هذا الا بعد ان اصبح على
قناعة كاملة بأنه يكفيه ترك شاربه الحقيقي ينمو، حتى يكون قادرا تماما على خداع
الجميع. اكتشف (س) ان حيز الحرية الذي تركوه له لكي يحافظ على شخصيته الاصلية، ليس
حبا به، بل لكي يمنعوه من التفكير بأي مشروع شرير.. من اجل ان يظل دائما يحمل علامة خاصة تميزه
عن الرئيس. كم ضحك مع نفسه عندما علم ان الرئيس قد منح الصلاحيات لحراسه بأن
يمسكوه من شاربه عند ظهور اية بادرة تدعوهم للشك بأنه الشبيه!
خلال لحظات سيشرع بتنفيذ الخطوة الاخيرة من خطته
الجهنمية: سيدخل غرفة نوم سيده ثم يخنقه بحبل الغسيل، وبسرعة يحلق شارب الرئيس
ويضع على وجهه بعض المكياج ليبدو مزيفا، ثم يضع عليه ثيابه الرسمية وفيها اوراق
وهوية (س) الشخصية، بينما يضع هو اوراق وهوية سيده في جيبه.
بعدها ينادي الحراس
ويطلب منهم أن يأخذوا جثة هذا الخائن الى عائلته، أي الى عائلة (س) طبعا، لكي يدفن
في قبره وعلى شاهدته سوف يكتبون اسمه هو!
لكنه الآن لم
يكن يهمه ان ينجح حتى النهاية ليحل محل الرئيس. كل الذي يهمه الآن ان
يغتاله فقط. منذ اكتشافه لذلك السر الرهيب وهو يعاني من احاسيس الخيبة والأحتقار
لنفسه لأنه اهدر كل هذه السنين في التشبه برئيس احمق هو نفسه شبيه لشبيه. الآن قد
حلت ساعة الانتقام من هذا الكائن الزائف الأحمق الذي زيف حياته وحياته الوطن
بأكمله.
لا زال (س) يزحف وسط الظلام الدامس وببطأ شديد نحو سرير
الرئيس. يتوقف بين حين وآخر من اجل ان التنصت الى انفاسه. مع اقترابه الشديد راح
يسمع انفاس الرئيس تمتزج مع انفاسه هو! عند بلوغه حافة السرير مد يده في الظلام
ومس بوجل كتف سيده. ثم سحب يده ونهض
واقفا وبهدوء مرتعب حل الحبل من حول بطنه. لم يسأل نفسه عن سر هذا الاصرار غير
المعقول باستخدام حبل الغسيل بدلا من سلاحا اسهل مثل السكين او المسدس الكاتم. فتح
انشوطة الحبل التي كان قد هيأها بدقة وجربها مرات عديدة حول عنقه. انحنى على
الرئيس وهو يكتم انفاسة وما ان شعر ان يده اقتربت من رأس سيده ادخل الانشوطة بسرعة
حول رأسه حتى العنق دون ان يترك حتى ولو ثانية واحدة لأية ردة فعل محتملة.. سحب
الحبل بكل قواه حتى سقط به على الارض. خلال زمن لم يدرك كنههه ملأت الفضاء حشرجات
مختنقة مستنجدة لاهثة متوجعة حتى هجع الجسد وساد الصمت المطبق!!
بسرعة نهض واضاء المصباح ونظر مباشرة الى السرير.. كانت
المفاجأة: نعم هنالك جسد رجل ميت..
جاحض العينين بملامح ميتة مرتعبة ولسان متدلي.. لكنه يالعجب لم يكن الرئيس
بل رجل آخر يشبهه!! كان بلا شارب لأن الشارب المصطنع ساقط الى جنبه. كيف حصل هذا؟
من دون أي تفكير مد (س) يده نحو شاربه هو ليقتلعه، لكن المصيبة قد اكتملت حينما
وجد انه لم يقتلع بل بكل بساطة كان شاربا حقيقيا ثابتا صلبا متجذرا في وجهه منذ
الابد!! يلتفت الى المرآة المثبة
على باب الدولاب وينظر الى وجهه: انه وجه الرئيس الحقيقي تماما بلا أي مكياج، فيه
نفس تجاعيده، ونفس شاربه، بل نفس العيون الصقرية والحواجب النسرية والشعر الفاحم
المصبوغ والزغب الاشيب....!!؟؟
حينها انطلقت صرخة معتوهة ارتجت لها جدار القصر
الجمهوري وانتشرت اصدائها عبر سموات الوطن وانهاره وصحاريه وجباله:
ـ يا الــهــــي مـــــن أنـــــا!!؟؟