عقيدة
الضمير العراقي..
فكر
جديد لإنسان جديد..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سليم مطر ـ جنيف 2006
إن الأمم مثل البشر، تولد وتموت وتحيا من جديد،
وأمتنا العراقية قد عاشت ميلاداً مشوهاً منذ حوالي القرن على يد قابلة إنكليزية
مدججة بأسلحة جبارة وحضارة كاسحة. لقد ولدت أمتنا من جديد في مطلع القرن العشرين
بعد انقبار دام قروناً منذ سقوط بغداد العباسية وتلاشي آخر حضارة عراقية عظيمة.
لكن يا للخيبة، كانت النخب العراقية (السياسية والدينية والثقافية) التي نشأت بعد
ذلك الميلاد، ضعيفة معاقة مشوهة غير مؤهلة للقيام بدورها الوطني الحضاري المطلوب.
ليس فقط لتبعيتها للفاتحين الجدد، بل خصوصا لتبعيتها الروحية والثقافية للعديد من
القوى الخارجية، عربية وإسلامية وعالمية. طبعا لا ننكر أنه كانت هنالك دائما ثمة
أقلية من الداعين للمشروع الوطني الأصيل، لكن اتجاه التبعية للخارج كان دائما هو
الأقوى. لهذا فإن جميع مشاريعنا الثقافية والسياسية والدينية ظلت حبيسة لتلك
التبعية الخارجية. منذ أكثر من قرن، والنخب العراقية تعاني من عجزها عن الانتماء
الحقيقي للواقع العراقي، بسبب فقدانها لأهم شرط إنساني لأية نخبة وطنية: (الثقة
بالذات الشخصية والوطنية). نعم إن فقدان الثقة بذواتنا الشخصية وبتاريخنا
وخصوصياتنا وميراثنا ولغاتنا وأدياننا ومذاهبنا وثقافتنا وأرضنا وحدودنا، منعنا من
التمعن الحقيقي في واقعنا والتفاعل معه ودراسته لاستنباط المشاريع والبرامج
الوطنية القادرة على رعاية أمتنا الوليدة وتنشئتها بالصورة الإنسانية التي تليق
بها. طيلة قرن وبكل مراهقة وطيش، خاضت نخبنا الصراعات والانتفاضات والانقلابات
والحروب الداخلية والخارجية، ليس من أجل الوطن، بل من أجل الدفاع عن مشاريع
خارجية، ليبرالية وقومية وأممية ودينية. لقد استمر الجنون المأساوي المعقلن ينحدر
بنا نحو الجحيم حتى بلغت أمتنا ذروة انحطاطها، بهيمنة تلك الطغمة الصدامية، من
الرعاع، على دولتنا ومقدراتنا: حروب ومجازر وحصارات ومجاعات. وكانت سنوات التسعينات
سنوات انتحار بطيء واحتضار صامت، وقد أتى الأمريكيون بجيوشهم الجرارة، ليطلقوا
طلقة الرحمة على أمتنا الجريحة المعاقة المعذبة.
نعم إنهم ساعدونا على الموت، لكنهم أبدا لن
يساعدونا على الميلاد، وإذا تركنا الأمر لهم وحدهم فسوف تولد أمتنا مرة أخرى معاقة
مشوهة، وستموت هذه المرة أسرع من قبل. لهذا علينا، نحن أبناء هذه الأمة الوليدة،
أن لا نكرر خطيئة أسلافنا، ولنعلن عزمنا الجبار على امتلاك الثقة بأنفسنا وبشعبنا.
أن نصر بلا تردد على الارتباط الضميري بواقعنا الشخصي والوطني، ونستنبط منه
المشاريع الحقيقية القادرة على تخليصنا من دوامة الإعاقة والتشوه والموت الرابض.
العقيدة الضميرية
إننا
نؤكد على أن (عقيدة الضمير) (ليست عقيدة دينية) أبدا ولا تبتغي التناقض مع الإيمان الديني، بل نحن نحترم بكل صدق جميع الأديان والمذاهب، وندعو المؤمنين الى التمسك بإيمانهم، مع التحلي بروح التسامح
والمحبة، أي قبول مبدأ التعددية في الحياة والعقل وتجنب الرؤية التبسيطية
التكفيرية المتعصبة.
انها رؤية إنسانية منفتحة وواسعة يمكن أن تتقبل وتتعامل مع مختلف
المعتقدات السياسية والثقافية والدينية. نحن اتجاه ثقافي اجتماعي سياسي مفتوح للأشخاص وللمجموعات والمنظمات التي
تشاركنا عقيدتنا. اننا نهتم بالثقافة والمجتمع أولا ثم بالسياسة، لأن غايتنا
الأولى هي الإنسان العراقي، ضميره وعقله، وليست الدولة. فنحن نؤمن بأن الدولة، أية
دولة، مهما كانت منعزلة ومعادية لمجتمعها، فأنها تمثل قمة الهرم الاجتماعي، وهذه
القمة ما هي إلا نتاج للمجتمع الذي تستند إليه، أي نتاج العقلية السائدة. وهذا
يعني أن تغيير العقلية (الثقافية والنفسية) هو الذي يقود إلى تغيير الدولة. لهذا
السبب نحن نركز على النشاطات الثقافية من إصدارات كتب ومجلات ومختلف النشريات،
كذلك الحلقات الدراسية والدورات التعليمية، بالإضافة إلى النشاطات الاجتماعية من
نقابات ومنتديات وجمعيات. نحن نجهد للتنسيق مع جميع الخيرين من أبناء الوطن لنشر
مبادئ الضمير، ونحاول كذلك دعم جميع الأطراف الدينية والثقافية والسياسية
والحكومية في بلادنا التي تتبنى برامج وأفكاراً وطنية تلتقي مع مبادئنا وغاياتنا..
إن عقيدتنا الثقافية الاجتماعية هذه، جديدة
وقديمة، بنفس الوقت. جديدة لأنها تبتغي خلق إنسان عراقي جديد. وهي قديمة، لأنها
عقيدة أصيلة تستمد عنفوانها من جذور ميراثنا الروحي العراقي والشرقي والإنساني.
لهذا فإن هذه العقيدة، رغم عراقيتها، إلا إنها إنسانية شمولية تتوجه لكل البشر في
أنحاء المعمورة، مع الأخذ بنظر الاعتبار ظروف كل شعب وخصوصيته.
إن أصالة عقيدتنا تكمن في تحررها من العقائد
الغربية الجاهزة، التي تعتبر (المجتعات الغربية) هي المقياس المطلق لباقي شعوب
الأرض. لكن هذه الأصالة لا تعني أبدا الانطواء على الذات وتناسي القواسم المشتركة
بين البشر مهما اختلفت أوطانهم وألسنتهم وأديانهم وثقافاتهم. ولكي ننظر إلى الوضع
العراقي ونصوغ المبادئ الخاصة به، علينا أولا أن نصوغ مبادئ كونية إنسانية شمولية
تستمد عنفوانها من تجارب الشعوب ومواريثها المشتركة.
إن عقيدتنا ترفض الجمود، بل هي مفتوحة لكل الطاقات
الإبداعية من أجل تعديلها وتطبيعها مع متغيرات الحياة. فلا تتردد أخي العراقي
وأختي العراقية، بالاشتغال عليها من أجل تطويرها وتحسينها. ما دام الضمير هو
الدافع، فيقينا إن النتائج سوف تكون خيرة. لهذا فإننا نخاطب جميع إخوتنا العراقيين
والعراقيات، في كل مكان من أرض الوطن وفي المهاجر:
لماذا الضمير؟!
إن مفهوم (الضمير) يتكون بالنسبة لنا من ثلاث
طاقات: (طاقة المحبة) و(طاقة العقل) و(طاقة الإرادة). إن المحبة الكامنة في القلب
تكون أشبه بالمنظار الذي نشاهد عبره أوضاعنا الشخصية والوطنية والكونية. لكن هذه
المحبة وحدها لن تكفي من دون العقل. فهو، بعد القلب، يسمح لنا بأن ندرس ما نشاهده
لصياغة افضل الاساليب للتعامل مع الحياة. أما (إرادة الخير) النابعة من أعماق
النفس، فهي التي تمنح الضمير حيويته وقدرته على العطاء. نحن ضد الطروحات الحداثية
السائدة التي تقدس (العقل) وحده وتحتقر (القلب) والمشاعر، وتطالب الإنسان بأن يكون
أشبه بالآلة الحاسبة تلهث وراء المصالح وزيادة الإنتاج على حساب الروح والمشاعر.
إن (الضمير) يعني بالنسبة لنا، هو الجمع العقلاني بين (طاقة المحبة) و(طاقة العقل)
و(طاقة إرادة الخير).
لهذا فإن شعارنا هو: ((انظر بقلبك.. وحلل بعقلك..
وقرر بإرادتك..))
إن (عقيدة الضمير) أشبه بالشجرة: جذعها هو الضمير،
وجذورها: (المحبة) و(العقل الوسطي) و(إرادة الخير والحياة)، أما ثمارها فهي
(الغايات الإصلاحية الوطنية)..
المبدأ الأول،
المحبة:
إننا نؤمن بأن (المحبة) هي الأساس الأول الذي تقوم
عليه الحياة الفردية والمجتمعات البشرية. إن محبة الذات والحياة هي الطاقة الجبارة
التي تدفع الفرد الإنساني إلى البقاء وتحدي كل الصعوبات منذ لحظة الميلاد وحتى
الممات. وبدون حب الذات والحياة يستحيل على الإنسان، حتى الرضيع، أن يبقى لحظة
واحدة في العمر. ما الموت، مهما كانت أسبابه الظاهرية، إلا أنه في جوهره تعبير عن
تعب الإنسان من الحياة و(نضوب طاقة محبته لذاته وللحياة) ورغبته الباطنية في
(الاستقالة) منها.
إن المحبة أيضا أساس المجتمع. فدون المحبة ليست
هنالك أمومة وأبوة ولا عائلة ولا أخوة ولا صداقة ولا جماعات وطوائف وأحزاب وحياة
اجتماعية. إنها لخاطئة تلك الفكرة الحداثية السائدة التي تؤكد فقط على (العقل
والمصالح) في تحريك البشر والطبقات والدول. في الحقيقة، حتى المصالح، في أعماقها،
تخفي مشاعر. إن فكرة (البقاء للأقوى) الغربية، غير صحيحة وتبتغي تحويل الإنسان إلى
كائن وحشي لا تحركه غير أحقاده وعضلاته. إننا نؤمن بقانون: (البقاء للأكثر محبة
لذاته وللحياة)..
خاطئة أيضا تلك الفكرة الشعبية السائدة، بأن (محبة
الذات) تعني (الأنانية وكره الآخرين). بل الحقيقة هي العكس تماماً: إن (الأناني)
هو من يكره نفسه. من المنطقي جدا، أن الذي يحب نفسه، من مصلحته أن يجعل الآخرين
يحبونه. لكن الأناني في كل مكان وزمان، غير محبوب من قبل الآخرين. وأقصى ما يمكنه
أن يفعله، أن يكسب رضا الناس بالمال أو بالقوة، لكنه أبدا لن يكسب قلوبهم. إن
(الأناني) يعاني من (كره الذات)، وكل سلوكه الظاهري من عناية بالذات وحرمان
الآخرين، ما هو إلا سلوك مصطنع لخداع نفسه التي يخشاها ويمقتها، مثل الذي يخادع
عدواً رابضاً في داخله. إن المحب الحقيقي لذاته لا بد أن يحب الآخرين. من دون محبة
الذات لا يمكن للإنسان أن يحب الحياة. ومن يحب الحياة لا بد أن يحب البشر والبيئة
التي تتكون منها.
ثم إن المحبة تختلف عن التملك، لأنها منفتحة على
كل البشر. الذي يغار عليك ويبتغي إبقاءك حكراً له، لا يمكنه أن يحبك، بل يبتغي
امتلاكك. إن من لديه محبة لإنسان أو قضية، يحرص على أن يشاركه جميع الناس محبته.
إن من يريدك له وحده، لا يمكنه أن يحبك، بل هو في أعماقه يبتغي أذاك وحرمانك من
محبة الناس. الإنسان التملكي لا يمكنه أن يحب الآخرين، لأنه أساسا لا يحب ذاته
وفاقد الثقة بها ويخشى أن تهرب منه نحو الآخرين.
آن الاوان لنزرع في شعبنا (محبة الذات)، ونخلصه من ثقافة
(التضحية بالنفس) التي شحنتها فيه كل المعتقدات والأحزاب: ((التضحية من أجل
الآخرين.. التضحية من أجل الدين.. التضحية من أجل الحبيب.. التضحية من أجل الحزب..
التضحية من أجل الوطن..الخ..)).. الكل يطالب الإنسان العراقي بالتضحية، حتى غدت
(التضحية) هي العقيدة الكبرى التي يتعلمها العراقي في البيت وفي الشارع وفي
المدرسة وفي الحزب وفي وسائل الإعلام.. ليست صدفة أبدا، هذه الكوارث المتلاحقة
الذي ظل يعيشها العراقي منذ أجيال وأجيال، لأن (ثقافة التضحية) واحتقار الذات، لا
بد أن تخلق الكواراث التي تتطلب التضحيات!!
إن المحبة تبدأ بـ(محبة الذات) لتبلغ ذروتها بمحبة
(الله).. إن من لا يحب نفسه والناس لا يمكنه أن يحب الله. فمن لا يحب المخلوق، كيف
يمكنه أن يحب خالقه؟! إن محبة الخالق تبدأ بمحبة المخلوق، و(ذاتنا) هي أول وأقرب
مخلوقات الله إلينا. إن محبة الله تعني محبة كل خليقته، الإنسان والأكوان. أي محبة
الإنسانية بكل شعوبها وأديانها وطوائفها، ومحبة الطبيعة بنباتاتها وحيواناتها
وسمائها وأرضها..
ليتعلم العراقي أن يقولها بكل ثقة وإيمان: ((أنا أحب نفسي.. لهذا أنا أحب
الحياة، ولهذا أنا أحب الناس والوطن والإنسانية جمعاء والطبيعة الشاسعة، ولهذا أنا
أحب الله ضميرنا الأعظم))..
إن "سلاح" المحبة والتضامن لمن يستخدمه
بصدق وإيمان بالذات وبالله، لهو أقوى تأثيرا من سلاح الحقد والضغينة والتضحية
بالنفس. إن المحبة ليست مشاعرا فقط، بل هي فعل أيضا. المحبة
الصادقة تحدث ثورة عظمى في سلوك الأفراد والمجتمعات. إنها تحمي حاملها من كل نوايا
الشر ومشاعر الحسد وغدر الزمان. المحبة تبعث في الفرد والجماعة روح التضامن والقوة
والقدرة على مواجهة الصعاب، وتبعد عن الوطن أية إمكانية لأن يقع بأيدي الرعاع
والمغامرين والقوى الخارجية. أن تريد أن
تبعد الشر عن أي إنسان عزيز عليك، فابعث له طاقة المحبة الصادقة من أعماق قلبك،
لأن المحبة وحدها كفيلة بإبعاد الشر مهما كان مصدره. إن الكوارث لا تصيب أية جماعة
أو مؤسسة أو أمة، إلا بعد أن يضعف الحب والتضامن بين أهلها، وتسود الغيرة
والبغضاء، فتتراجع طاقة المحبة والخير لتحل محلها طاقة الحسد والحقد والشر، فتكثر
الفواجع وتحل النوائب ويتكالب الأعداء مثل الذباب على طفل مهمل.
صحيح أن ( ثقافة المحبة) تعني السلم والحوار
والتسامح ورفض العنف مهما كان، إلا أن هذا لا يعني أبدا، كما يتصور الكثيرون،
بأنها (ثقافة ضعف وخنوع) وغض البصر عن الظلم، بل هي العكس تماما: إن المحبة تمنحك
الشجاعة لتقول الحقيقة وتواجه الظلم، لأنها تمنحك الثقة بنفسك وبالحياة وبالله.
لهذا فإن شعارنا في هذا المجال هو: ((أحبب نفسك
أيها العراقي، لكي تحب أهلك وشعبك والإنسانية جمعاء، حتى تغمرك أنوار الله، قلب
الوجود والحبيب الأكبر))..
المبدأ الثاني،
العقل الوسطي:
إن (العقل) يعتمد في تحليلاته وحساباته على مصدرين: (نوعية المشاعر) التي
يحملها الشخص، إن كانت سلبية أم إيجابية، ثم (المنهج الفكري) الذي يؤمن به، إن كان
متطرفا أم وسطيا؟!
نحن نعتمد (المنهج الوسطي) الذي هو نقيض لـ(المنهج الواحدي المتطرف). إن
الرؤية الواحدية
تقسم الوجود إلى "ثنائية تناحرية" بين (الخير والشر)،
(الأبيض والأسود)، (الرب والشيطان). وهذا أدى بنا إلى أن نشاهد الواقع دائما في
صراع بين طرفين، أحدهما جيد والآخر سيء. ولم نتعلم بأنه من الممكن أن يكون في
الواقع طرفان مختلفان لكنهما ليسا بالضرورة متناحرين، بل متكاملين، مثل: الأصالة والحداثة، الدين والعلمانية،
الروحية والمادية، الخصوصية والعمومية، الاشتراكية والفردية، الحرية والمركزية،
المساواة والتمايزية، الانتماء الوطني والانتماء المحلي والإقليمي،
الذات والآخر.. وغيرها العديد العديد من (الثنائيات التكاملية) التي حكمنا عليها
بالصراع التناحري بسبب رؤيتنا (الواحدية المتطرفة) التي لا تتحمل أن ترى أمرين
مختلفين لكنهما متكاملين. كم من الصراعات الدامية والتناحرات القاسية التي خاضها
شعبنا طيلة الأجيال السابقة وحتى الآن من أجل أمور تبدو مختلفة شكليا وشعاراتيا
لكنها متكاملة في الجوهر وفي الهدف الحقيقي.
(المنهج الوسطي) في عمقه الفلسفي يقسم الوجود إلى (ثنائية انسجامية تكاملية)، بين أطراف مختلفة
لكنها غير متناقضة بل مكملة لبعضها البعض: الذكورة والأنوثة، النهار والليل، السماء
والأرض، الشمس والقمر، الدنيا والآخرة.. الخ.. ولكي
لا يساء فهمنا والظن بأننا لا نميز بين (الخير والشر، بين الله والشيطان، بين
الظالم والمظلوم.. الخ)، يتوجب التوكيد بأن (المنهج الوسطي) لا ينفي أبدا ثنائية (الخير والشر)، بل هو يؤمن
تماما بأن هنالك (الله تعالى رمز الخير والضمير المطلق..) و(الشيطان، رمز الشر
وغواية الحقد والحسد والقسوة). لكن منهجنا الوسطي يمنح (ثنائية الخير والشر)
تفسيرا جديدا: إن
الشر يكمن في التطرف، أي تفضيل طرف معين من الثنائيات المتكاملة
للحياة ونبذ
الطرف الآخر. أما الخير فإنه يكمن في الجمع الانسجامي بينها،
أي في انسجام
ثنائيات الحياة وتكاملها. إن الله هو الوسطية والاعتدال
والجمال والانسجام المطلق بين ثنائيات الوجود. إنه الدنيا والآخرة، المادي
والغيبي، الأبوة والأمومة. أما الشيطان، فهو التطرف والواحدية والقبح والنشاز
وهيمنة بعض الوجود على بعضه الآخر. إن سر الحياة والسعادة والإبداع والجمال يكمن في
التوازن والاعتدال بين الثنائيات: القدم اليسرى لا تلغي القدم اليمنى، ومن دون تعب
ليس هنالك راحة، ومن دون شك وسؤال ليس هنالك إيمان، ومن دون دنيا ليس هنالك دين،
ومن دون أنا ليس هنالك نحن، ومن دون العقائد الأخرى لا يمكن لعقيدتي أن تنوجد. إن الذكورة وحدها أو الأنوثة وحدها، تعني الجفاف والموت، ولكن الوسطية بين الاثنين، أي انسجامهما وتوحدهما يعني
الخصب والولادة وديمومة الحياة. التمسك بالماضي السلفي وحده وبأمجاده المفترضة
يعني الانجماد في الذكريات والموت على ما فات، أما التمسك بالمستقبل وحده
وبحداثته الموعودة، فيعني العزلة في الخيال والفقدان في ثمالة الوعد والانتظار، بينما الانسجام بين الاثنين يعني
"الحاضر" أي رؤية الواقع كما هو للتعرف على ماضيه واستشراف مستقبله. بين الصيف
والشتاء هنالك فصلا الاعتدال. من دوامات الثلج والنار تنبثق مياه الحياة.
المبدأ الثالث،
إرادة الخير والحياة:
منذ أن وعى الإنسان الحياة وهو
لا يكف عن التساؤل: (هل أنا مخير أم مسير)؟! اختلفت العقائد والأديان حول الأمر، بعضها يؤكد على دور
الخالق وبعضها يؤكد على دور المخلوق. أما العقائد الحديثة فقد أكدت على دور الصدفة
والظروف. نحن باعتمادنا على (المفهوم الوسطي) و(طاقة المحبة)، فإننا نميل إلى المفهوم التالي:
الإنسان (مخير ومسير) بآن واحد. إنه (مخير) بقدر إداركه لحقيقة ذاته والواقع
الاجتماعي والكوني الذي يؤثر فيه. ثم مدى جهده للتفاهم مع ذاته لاكتشاف القوى
الفاعلة في داخله التي تساعده على الانسجام مع الواقع وجعله بخدمته. لكنه أيضا (مسير) بقدر جهله
لحقيقة ذاته وللواقع الذي يحيطه، وبالتالي يكون قامعا لذاته العميقة ومستضعفا أمام الواقع الذي يحيطه. إن وعي الذات الداخلية يقود
تلقائيا إلى وعي الواقع الخارجي والانسجام معه وتطويعه، لأن ذات الإنسان أشبه بالغصن في شجرة الوجود
الحياتي والإلهي، ومن لا يعي غصنه سوف لن يعي أبدا شجرة الوجود الكلي.
لهذا فإن الحرية تعني أولا إدراك الذات، أما العبودية فهي الجهل
بها! نعم إن اكتشاف الذات هو الطريق لاكتشاف الواقع ثم الانسجام معه
وتطويعه، والجهل بالذات يعني الجهل بالواقع ثم الخضوع له. ولهذا قال الحكماء منذ
القدم: (اعرف نفسك أيها الإنسان)!
وهذا يعني الإيمان بأن الإنسان، أفرادا وجماعات، يمتلك
القدرة الداخلية على تطويع الحياة لصالحه لو أنه تعرف واستخدم بحكمة
الطاقة الكونية الإلهية الكامنة في ذاته.
إن عقيدتنا ترفض الفكرة
التبسيطية السائدة عن الضحية البريئة والجلاد الآثم. إن الإنسان، فردا وجماعة،
مسؤول عن مصيره تماما، لأنه هو نفسه الوحيد القادر على تحديد موقعه في الحياة، وهو
الوحيد القادر على معرفة ذاته واكتشاف خباياها ونواياها ونقاط قوتها وضعفها
ثم التفاهم معها للتعامل مع الواقع واكتشاف خباياه ونقاط ضعفه وقوته من أجل تطويعه والانسجام معه. إن الداخل هو الذي يحدد
الخارج، وإن الآخر يتعامل معك كما تتعامل أنت مع نفسك. اقتنع بعمق وبإصرار بأنك تستحق الخير
والصحة والمحبة، وابعث طاقة الخير والمحبة للآخرين، واعمل على أن يفعل الآخرون مثلك، وسوف
ترى أن حياتك وحياة الآخرين سوف تتحسن بصورة تفوق التوقع.
إن
الشعوب التي تعاني الخراب من قمع وفقر وحروب، قبل أن تسأل جلاديها وظروفها،
عليها أن تسأل ذاتها الداخلية عن
الخراب الكامن فيها. إذا كانت ذات الإنسان هي نفسيته ومعتقده، فإن ذات الشعوب هي أفكارها وثقافتها ومعتقداتها
التي تهيمن عليها، وهنا يكمن الدور الحاسم للنخب الفاعلة الدينية والثقافية
والسياسية في تقرير حياة مجتمعاتها. إننا نؤمن أن خلاص الإنسان، فردا وجماعة،
يكمن أولا وقبل كل شيء في تنقية ذاته النفسية والمعتقدية من جراثيم
الخراب الكامنة فيها. إن أفضل صورة تعبر عن هذه
الحقيقة، تلك الحكمة القرآنية المقدسة: ((لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما
بأنفسهم..))..
الثمار والغايات
التي نطمح إلى إنباتها في شجرة ضمير أمتنا
إن (ضميرنا) يستمد غذاءه
وديمومته من (طاقة المحبة) و( طاقة العقل الوسطي) و(طاقة إرادة الخير والحياة)،
لهذا فإنه بطبعه (ضمير) حي وعادل لا يثمر غير ثمار وغايات واقعية إنسانية تطمح لبذر الخير
والمحبة والعدل في عموم الحياة الشخصية والوطنية والإنسانية. إن (الضميرية) هي دعوة
لضمير كل عراقي لأن يكرس بعضا من وقته لإغماض عينيه عن الآخرين والتفكير بذاته
وحقيقة مواقفه ومدى مسؤوليتة الشخصية عن هذه الكوارث المتلاحقة التي تعيشها أمتنا منذ أجيال وأجيال.
لهذا فإننا بالاعتماد على مبادئنا
الضميرية أعلاه، وبناء على دراستنا لواقع أمتنا الجريحة المنكسرة
التي تكالبت عليها ضباع الغدر من كل حدب وصوب، فإننا ندعو إلى تبني الغايات التالية،
ونحن على قناعة أنها، بعزم أصحاب الضمائر الحية، لا بد أن تثمر قريبا في نفوس
شعبنا وسوح وطننا:
1 ـ إحياء الهوية الوطنية ومفهوم الأمة
العراقية:
كل أمم الأرض، ما نجحت ببناء دولة مستقرة إلا بعد بناء (هوية واضحة
مستقرة). إن استقرار أي مجتمع وأية دولة، لا يقوم بقرار سياسي أو بضغط بوليسي، بل
نتيجة ثقافة سائدة بين أفراد وفئات المجتمع تجعلهم يقتنعون بأن هنالك قواسم ومصالح
مشتركة كثيرة بينهم تجعلهم يتعايشون معا في وطن واحد ودولة واحدة. صحيح أن الهوية
تعتمد على واقع جغرافي وميراث وتاريخ مشترك، إلا أنها لا تكتمل إلا بتربية واعية
تقوم بها النخب المتعلمة، السياسية والثقافية والدينية. مشكلتنا الكبرى أن نخبنا
لم تهتم بهذا الجانب، بل إنها بالعكس اتجهت نحو الخارج وراحت تستمد منه هويات
خارجية قومية ودينية وأممية لا تعترف أبدا بالهوية العراقية المشتركة. وهذا سر
التناقض الكبير الذي عاشه الشعب العراقي خلال أكثر من قرن: من ناحية نريده أن يبقى
متوحدا مستقرا، وبنفس الوقت نعلمه ليل نهار بأنه مصطنع وغير موحد، بل هو أمم
وقوميات وشعوب لا يجمعها جامع غير (قرار الإنكليز باصطناع العراق الحالي)!!
لهذا نحن نعمل على إشاعة ثقافة (الهوية الوطنية المشتركة) القائمة على
الأمور التالية:
ـ إننا (أمة عراقية) ولسنا
(أمما وقوميات وشعوباً) تابعة لأمم دينية وقومية خارجية. وإن هويتنا هذه مستمدة من
تاريخنا العريق الممتد لآلاف الأعوام، ومن جغرافيتنا المتمثلة بهذين النهرين
الخالدين (دجلة والفرات) وما حولهما من سهول وجبال وأهوار وصحارى.
ـ إن هويتنا هي هوية سمحاء تعترف بالتنوع. أي أننا نؤمن بأن هويتنا الوطنية
الجامعة، هي بحيرة تصب فيها العديد من أنهار وغدران (الهويات المحلية) الأقوامية ـ
اللغويةـ والدينية والمذهبية
والمناطقية. إن محبة الكل لا تنبع إلا من محبة الجزء، ومن لا يحب أهله ومنطقته
وأبناء لغته ودينه ومذهبه، لا يمكنه أبدا أن يحب أمته. لهذا فإننا نؤكد بأن أمتنا
العراقية لا تبتغي أبدا إلغاء تمايز الفئات العراقية المختلفة، بل تعترف بها وبخصوصيتها،
وتطالب بمنحها حقوقها الثقافية، وإشراكها الفعلي في كل مرافق الدولة والمجتمع.
ولكن بشرط واحد وحيد هو: أن التأكيد على الخصوصية والتمايز يجب أن لا يتناقض أبدا
مع التأكيد على القواسم الوطنية المشتركة بين كل الفئات، وأن العراق هو غايتنا
جميعا.
ـ إن هويتنا الوطنية قائمة على أساس الانتماء للتاريخ
العراقي بكل حضاراته ومراحله التاريخية. أي أننا نرفض بصورة قاطعة، كل التفسيرات
العرقية (القومية) لمعنى (الهوية والأمة)، والقول (بأننا سومريون ولسنا عرباً)، أو
تبرير العداء للشعوب العربية بحجة الدفاع عن (الأمة العراقية). إن خلافنا هو مع
(آيدلوجية القومية العربية) وليس مع (الشعوب العربية) ولا مع تاريخنا العربي
الإسلامي. إننا نؤمن بأن العراق الحالي، هو حصيلة كل مراحل تاريخه: المسماري، الآرامي
المسيحي، العربي الإسلامي ، العثماني، وحتى الآن. ومن السذاجة والتعصب التمسك بمرحلة
معينة والتنكر لباقي المراحل، كالإنسان الذي يدعي الانتماء مثلا إلى تاريخ طفولته
ويتنكر للفترات الأخرى. مثلما على العراقي المسلم أن يشعر بالانتماء لكل
الميراثات الوطنية السابقة للإسلام بالإضافة إلى الميراث الإسلامي، كذلك على العراقي غير
المسلم وغير المؤمن، أن يشعر بالانتماء إلى الميراث العراقي العربي الإسلامي لأنه ميراث وطنه وقد
ساهم أسلافه بصنعه.
ـ إن (هويتنا الوطنية) لا تعادي الهويات الخارجية
المحيطة بنا: الهوية القومية (العربية والكردية والتركمانية والسريانية)، والهوية
الإسلامية والهوية الشرق أوسطية، والهوية العالمية (الأممية). بل إننا ضد أن تعتبر
هذه الهويات الخارجية هي الأساس والمرجع، وهويتنا الوطنية ثانوية مؤقتة وتابعة،
كما هو سائد في ثقافتنا السياسية منذ قرن وحتى الآن. إننا نعتبر الهوية الوطنية
لأمتنا العراقية، هي جوهر ومركز الهويات الكبرى المحيطة بنا: الهوية العربية التي تجمعنا مع أشقائنا في بلدان الشام
والعالم العربي. الهوية الشرق أوسطية التي تجمعنا مع إخواننا الأتراك والإيرانيين،
وخصوصا مع الفئات الكردية والسريانية والعربية في هذين البلدين
الجارين. الهوية
الإسلامية
التي تجمعنا مع محيطنا الإسلامي. الهوية المتوسطية التي تجمعنا
مع شعوب البحر المتوسط: (نحن نعتقد أن العراق يجب أن يدخل ضمن مجموعة بلدان
البحر المتوسط، لأنه جغرافيا وحضاريا ضمن هذه المنطقة، وليس بالضرورة أن يكون موقعه مباشرا على البحر، فإن البرتغال لا تقع على البحر
المتوسط وهي رغم هذا عضو في المجموعة. إن المجال الحيوي الحضاري
للبحر المتوسط يتوقف عند جبال زاخاروس أي الحدود الفاصلة بين العراق وإيران حيث يبدأ بعدها المجال
الحضاري الآسيوي).
ـ بناءً على هذا، إننا ندعو
جميع الأطراف العراقية المدافعة عن هويات قومية ودينية خارجية، أن تتفق على (مفهوم
الهوية العراقية) كقاسم مشترك بين الجميع. نقترح أن تكون الصيغة المطلوبة بهذا
الخصوص في الدستور العراقي القادم، كالتالي:
(إن هوية الشعب العراقي الأساسية هي الهوية الوطنية الخاصة به، وإنه فخور
بتشكله من عدة أقوام وأديان ومذاهب. فمن الناحية الاقوامية، بالإضافة إلى العرب
والأكراد، هنالك التركمان والسريان. ومن الناحية الدينية، بالإضافة إلى الغالبية
المسلمة، هنالك أيضا المسيحيون والصابئة واليزيدية. ومن الناحية المذهبية، فهنالك
مذهب الشيعة الجعفرية ومذاهب السنة. إن جميع هذه الفئات الاقوامية والدينية والمذهبية،
هي فئات عراقية أصيلة وعريقة، وكلها ساهمت في صنع تاريخ وطننا وميراثه الحضاري
العظيم. وإنها تستحق أن تكون على قدم المساواة في المشاركة في إدراة الوطن وصنع
حاضره ومستقبله.
وبما أن الإسلام هو دين الغالبية الساحقة من العراقيين، والقاسم المشترك
بين مختلف فئاتهم الأقوامية، فإنه يستحق أن يكون مصدرا أساسيا بجانب المصادر
الحديثة، للتشريع والتربية، مع الاحترام التام للعقائد الدينية الوطنية الأخرى،
المسيحية والصابئية واليزيدية.
صحيح أن الشعب العراقي يحمل أساسا هويته الوطنية الأصيلة والمتنوعة الخاصة
به، إلا إنه أيضا مرتبط بعلاقات
حميمة وعميقة مع العالم الخارجي المحيط به، وخصوصا مع الشعوب العربية الشقيقة،
والشرق الأوسط، والعالم الإسلامي، بالإضافة إلى شعوب البحر المتوسط وباقي شعوب
الأرض).
أما بالنسبة للخطوات الضرورية من أجل تعزيز المساواة والألفة بين الفئات
العراقية، فنحن ندعو إلى:
ـ مع التدريس الإجباري للغة
العربية كلغة رسمية مشتركة لجميع الفئات العراقية، ندعو إلى
إقرار حق كل منطقة سكانية أن تضيف إلى منهاجها التدريسي لغتها المحلية الخاصة بها:
اللغات الكردية (السورانية والبهدنانية والفيلية والخانقينية)، واللغة التركمانية
واللغة السريانية والصابئية. وتشجيع تداول جميع هذه اللغات في وسائل الإعلام
الوطنية.
ـ تخصيص كليات ومراكز بحوث خاصة لدراسة لغات الفئات العراقية والاهتمام
بميراثاتها الشعبية والدينة والمذهبية الخاصة بها، والتعريف بها على كل الأصعدة
الثقافية والإعلامية.
ـ الاتفاق على مناسبات احتفالية خاصة بكل فئة عراقية لتكون مناسبات
احتفالية رسمية لكل العراقيين، منها مثلا عيد الربيع العراقي (نيروز).
2 ـ الإيمان بالتعددية المعتقدية والسياسية:
التجربة الإنسانية في كل مكان وزمان أثبتت بأنه من المستحيل،
حتى داخل العائلة الواحدة، أن يسود رأي واحد بصورة قمعية وأبدية. إن الرأي الراجح الذي يسود
هو الرأي الذي يتكون بعد حوارات وجدالات عديدة جرت بين جميع الأطراف المعنية. ثم إننا لا نصدق الأكذوبة السائدة عن (أن الديمقراطية تمنح الحرية
الكاملة لكل الافراد والجماعات بالتعبير الحر والاشتراك في اتخاذ القرارات).
الحقيقة أن أعتى الديمقراطيات، لا يمكنها أبدا أن تحقق هذا المبدأ، بل هي
تعتمد أساسا على (موازين القوى)، وإن الذي ينتصر هو من يمتلك أموالا ووسائل تاثير إعلامي وحزبي.
نحن يهمنا قبل كل شيء،
الجانب الإنساني والشخصي في (التعددية). أن تكون تعدديا، يعني أنك يمكن أن تكون إسلاميا أو شيوعيا أو قوميا أو ليبراليا، ولكنك بنفس
الوقت يجب أن تمتلك رؤية أوسع تسمح لك بالاعتقاد أن الله مع مذهبك ولكنه أيضا مع مذاهب الآخرين. إن تنوع المعتقدات مثل تنوع
المهن، فالطبيب مهما كان منحازا إلى مهنته لا يمكنه أبدا أن يعتقد بإلغاء المهن الأخرى، وإن من يحب فاكهة معينة، ليس
بحاجة إلى معاداة متذوقي الفواكه الأخرى. لتكن لدينا تنوعات الأفكار والمعتقدات مثل تنوع
المهن والفواكه. أما في السياسة فإن نشر ثقافة المحبة والتضامن والسلام
بين الناس كفيلة بأن تخفف كثيرا من حدة الصراعات السياسية، أو على الأقل تعزل المتطرفين
والمتعنتين والعنفيين عن غالبية أبناء الوطن.
ونحن أيضا مع الجانب السياسي التطبيقي من التعددية، أي ما يسمى
بـ"الديمقراطية"،
أي تلك التقنيات
التي أوجدتها تجارب الديمقراطية الغربية في القرون
الأخيرة. إن هذه التقنيات المعروفة
تتمثل بالدستور وفصل السلطات والبرلمان والتصويت وحرية الصحافة والأحزاب وغيرها من التقنيات
القابلة للمراجعة والتغيير حسب ظروف كل أمة.
أما بالنسبة لإشكالية (العلمانية) و(الدولة
الدينية)، فإننا كعادتنا نميل إلى الحلول الواقعية المعتدلة. فنحن ضد مفهوم الدولة
الدينية التي تحكم بالكفر على كل ما هو مخالف لها، ونحن كذلك ضد تقديس مفهوم
(العلمانية) على الطريقة الفرنسية والشيوعية، إذ يتم أيضا تكفير واحتقار كل (تعبير
ديني) واعتباره متخلفا رجعيا، وفرض ثقافة الحداثة والتغريب بصورة قسرية. إننا
نتبنى الموقف الديمقراطي التعددي السائد في غالبية الدولة الديمقراطية، باحترام كل
المعتقدات غير الضارة بالمجتمع والدولة، وفضح المعتقدات الضارة (العنصرية واللا
إنسانية والفضائحية والتبشير الديني الأجنبي، وغيرها)، والعمل على مكافحتها ثقافيا
وديمقراطيا. واعتبار الأحزاب والهيئات الدينية الوطنية مثل باقي
أحزاب وهيئات المجتمع، لها كل الحقوق والحرية بالتعبير الديمقراطي عن نفسها
ومشاريعها، بشرط احترامها التعددية السياسية والثقافية.
3 ـ تقديس البيئة وطبيعة الوطن:
إن الحضارة الحديثة السائدة، رغم كل محاسنها، إلا أنها تعاني من عيوب
كثيرة، من أكبرها: أنها قدست المكننة والإنتاج المادي، ولم تهتم بالبيئة والطبيعة،
بل انهالت عليها استنزافا وتدميرا بلا رحمة ولا حسبان أو تخطيط. والنتيجة تلوث
الهواء والتربة والنباتات وثقوب الأوزون وارتفاع الحرارة وتقلب المناخ وانتشار
الأمراض السرطانية والتنفسية والعصبية، وارتفاع عدد ضحايا حوادث السيارات إلى
مستوى ضحايا الحروب الكبرى!! ثم إن هذا التحديث التقني المادي، أثناء تدميره
الكاسح للبيئة، قد دمر أيضا الخصوصيات الطبيعية والإنسانية للأوطان، من تقاليد
مهنية وطبية وعادات ثقافية موروثة من ثياب وأطعمة وطرق عيش مختلفة. إن الحداثة تحولت
إلى كل ما هو
نقيض للطبيعة والبيئة والبساطة في طرق العيش والحياة، من خلال تقديس المكننة والإنتاج المادي وتدمير الطبيعة
وتحويل الحياة بكل تفاصيلها إلى مصنع كبير، يكون فيه
مبدأ الربح هو
المقياس الأول لقيمة الإنسان والطبيعة.
إننا لا نرفض الحداثة بمعانيها العلمية
والتقنية والإنتاجية، بل نتبناها، ولكن ضمن مبدأ أساسي فحواه: إن الإنسان وبيئته هما الهدف
الأول والأكبر للحداثة، وليس المكننة
والربح المادي وكمية البضائع. إن حداثتنا وعلميتنا
يجب أن لا تتناقض مع مبدأ تقديس
الوطن بكل جوانبه الميراثية والتقاليدية والبيئية والطبيعية. لهذ
فإننا نتبنى المواقف التالية:
ـ رفض
التبجح الحداثي والتقليد الأعمى للطروحات والموضات الثقافية
الغربية وعبادة التكنولوجيا والإنتاج المادي. والعمل على دراسة وتطوير
الميراث الشعبي الوطني والبحث عن طرق إنتاج وتحديث نابعة من الواقع والبيئة المحلية. وتربية الإنسان على احترام
بيئته ومكافحة التلوث والاجتياح الوحشي للحضارة الصناعية الحديدية.
ـ فضح عمليات التلويث السرية الجارية منذ أعوام في بلادنا بلا حسيب ولا
رقيب، في جميع المجالات العسكرية والصناعية والزراعية.
ـ نشر ثقافة تقديس البيئة ودفع الناس والمؤسسات إلى الإكثار من التشجير،
وجعل رعاية البيئة واجبا ضميرياً، وإقرار الحوافز والدعم والجوائز لكل النشيطين في
مجال التشجير واحترام البيئة. ورفع شعار: (إحياء النخلة، هو إحياء للأمة..).
ـ المطالبة بإقرار قانون لتقديم التسهيلات والدعم لكل الشركات والجهات التي
تساهم بتقليل التلوث، وعلى العكس، تفرض الضريبة على الشركات والجهات التي تساهم
بالتلوث.
ـ نشر ثقافة (الغذاء الطبيعي والحيوي) الخالي من الكيمياويات التي تدمر
الطبيعة وتلوث الأرض والماء والسماء. أن يتم تشجيع المزارعين على تكوين التعاونيات
والمؤسسات التي تتبنى الزراعة (الحيوية) الخالية من الكيمياويات. كذلك يقدم نفس
التشجيع للصناعات الغذائية الطبيعية والحيوية.
ـ إشاعة وسائط النقل العامة، من قطارات وباصات ومتروات، للتقليل من وسائط
النقل الخاصة والحد من النمو الوحشي لعدد السيارات التي أحالت حياة المدن إلى مهرجانات
جنونية حديدية صاخبة ملوثة عابثة ينتظرك فيها خطر الإصابة والموت في كل شارع
ورصيف.
4 ـ الدفاع عن حقوق المرأة ومساواتها
الضميرية بالرجل:
إن احترام المرأة والدفاع عن حقوقها، ليس غايته فقط الحرص على المرأة
وحدها، بل كذلك الحرص على الرجل نفسه وعلى عموم المجتمع والدولة. إن قناعتنا بأن
الخير يكمن في الانسجام بين ثنائيات الوجود، يجلعنا نعتقد بأن (المجتمع السليم
المستقر) هو المجتمع الذي خلق انسجاما وتعادلا بين طرفيه الأساسيين، أي
الرجل والمرأة. إذا كان الرجل يمثل الذراع اليمنى للمجتمع، فإن المرأة هي ذراعه اليسرى،
وعندما يفقد الإنسان أحد أعضائه الأساسية فإنه يصبح معوقا مشوها.
إن من أولى العوارض المرضية لأي مجتمع قلق متوتر يسوده العنف والقمع: (الخلل في
العلاقة، بين الرجل والمرأة).
في كل أنثى هنالك جانب ذكوري معين في شخصيتها: (فحولي تسلطي عضلي عملي جاف
عقلي فردي اختراقي). كذلك في كل رجل هنالك جانب أنثوي معين في شخصيته: (أمومي
عاطفي أريحي نباتي رطوبي اجتماعي استقبالي). إن قمع المرأة في المجتمع هو بنفس
الوقت قمع للجانب الأنثوي في رجال المجتمع، وتحويلهم إلى فحول متوترة جافة متهيجة،
يمارسون العنف ضد بعضهم البعض.
لهذا فإننا عندما ندافع عن حق المرأة بالمساواة مع أخيها الرجل، لا نبتغي
فقط الحرص على سلامة المرأة وحدها، بل أيضا نحرص على سلامة الرجل نفسه وعلى عموم
المجتمع، لكي يكون أكثر توازنا وعاطفة وإنسانية، وأقل عنفا وجفافا وفحولة.
لكن دعوتنا للمساواة، تختلف تماما عن الفهم الغربي الحداثي لـ(مساواة
المرأة) القائم في جوهره على فكرة أن تنسلخ المرأة عن خصوصيتها الأنثوية البيولجية
والنفسية والتاريخية، لتصبح ذكرا في الشخصية والثياب والعمل والسلوك اليومي. إن
المساواة لا تعني أبدا المساواة في الهوية الذاتية، بل المساواة في الحقوق. إن
حرية المرأة وكرامتها، تكمن في مدى قدرتها على التعبير عن هويتها وشخصيتها
المتميزة عن الرجل. ثم إننا يجب أن نأخذ بنظر الاعتبار خصوصياتنا
الميراثية والدينية والبيئة في تشريع القوانين الخاصة بالمرأة. لهذا فإننا نقترح
الإصلاحات التالية:
ـ مساواة المرأة مع الرجل في الحقوق الإنسانية الاجتماعية والمهنية. وتنقية
القوانين من كل الأحكام التي تحتقر المرأة وتظلمها.
ـ إقرار نظام الحصة للنساء (الثلث على الأقل) في جميع القيادات السياسية
وإدارات الدولة والمجتمع..