PDFتحميل

  سليم مطر ـ جنيف 2004  

             من اجل برنامج واقعي للكفاح الوطني العراقي:

لا للخنوع والاذلال.. لا للتطرف والارهاب..

عاشت المقاومة الشعبية السلمية..

منذ بدء الاحتلال لبلادنا قبل حوالي عام، وبعد الخراب والفوضى التي اصابت جميع المرافق ودمرت الدولة والحياة الثقافية والاقتصادية، ظل جميع المتعاطفين مع امريكا يرددون الحجة التالية:

ـ المشكلة ان امريكا قد تحضرت للحرب واسقاط النظام، لكنها لم تحضر اية استراتيجية لما بعد الحرب!!

ولهذا انتظر معظم العراقيين ان تصلح امريكا خطأها وتعتمد على  حلفائها وانصارها من القيادات العراقية وتهيء استراتيجية جديدة لاعادة الحياة الى  الوطن واصلاح  الخراب وتعويض الدمار وجعل العراق مثل المانيا واليابان، كما يقولون!!

لكن الايام تمضي والاشهر تتعاقب والخراب مستمر والفوضى تتفاقم مع غياب اية استراتيجية لما بعد الحرب. والحقيقة ان الغالبية الساحقة من العراقيين بما فيهم الكثير من انصار امريكا والمتعاطفين معها، قد توصلوا الى القناعة التالية:

ـ من السذاجة جدا جدا تصديق الحجة القائلة بأن امريكا لم تمتلك استراتيجية لما بعد الحرب.. من السذاجة جدا ان نصدق بأن امريكا ساذجة.. لا ثم  لا ثم لا.. ان كل الذي حدث ويحدث في العراق كان  ولا زال مخططا له بدقة متناهية. المصادر الامريكية نفسها تعترف انها قد خططت لهذه الحرب منذ اعوام، وهي ليست بهذه السذاجة الى حد انها تعتمد فقط على العقول العسكرية وحدها.! ان قوة امريكا ليست في الجيوش والاقتصاد فقط، بل ان من ابرز رموز قوتها هي (( هوليود)) حيث يكلف الفلم الواحد ما يعادل ميزانيات عدة دول نامية مجتمعة!! ان خبراء هوليود ومعهم مختصون نفسيون اجتماعيون وبينهم حتى عراقيون وعرب، هم الذين  يساهمون بكتابة وتخطيط (سيناريو العراق).

من حق أي انسان عاقل ان يطرح التساؤل التالي:

ـ لكن ما هي مصلحة امريكا بتسبيب كل هذا الخراب مادام العراقيون انفسهم موافقين على حضورها العسكري والتعاون معها باستثمار نفط وثروات واقتصاد العراق.. من المعقول جدا ان يكون الامر على العكس، أي ان تبني امريكا العراق كما بنت اليابان والمانيا لكي تكسب العراقيين وتستفيد من بلادهم!!

لكن بكل اسف يبدو ان المعقول والطبيعي شيء، والواقع الحاصل شيء آخر.. ان هذا المعقول والطبيعي يمكن ان تمارسه امريكا مع كل دول العالم.. الا مع العراق!؟ والسبب جدا بسيط:

ـ ان العراق بلد عربي شرق اوسطي.. أي انه بلد مواجهة مباشرة مع اسرائيل.. والانكى من هذا ، ان هذا البلد المنكود المسمى عراق قد ترك اثرا عميقا في الذاكرة اليهودية الصهيونية.. ولن ينسى الاسرائيليون ابدا، حسب خرافاتهم التوراتية، ان العراق قد خرب دولتهم المزعومة مرتين في التاريخ على يد السلالتين الآشورية والكلدانية، وان شخصية نبوخذنصر لا تختلف عن هتلر بالنسبة لهم، بالاضافة الى حروب العصر الحديث منذ حرب 1948 وحتى صواريخ صدام وتهديداته التلفزيونية!! هنالك قناعة عميقة لدى معتنقي الصهيونية ان هذا العراق يشكل الخطر الاول والاكبر بالنسبة لاسرائيل لاسباب تاريخية وايضا بسبب تمتع شعبه بقدرات طبيعية معروفة منذ القدم وحتى الآن على النهوض الحضاري والعسكري السريع والجبار.

وبسبب تأثير الشخصيات الصهيونية في جماعة المحافظين الجدد التي تقود الادارة الامريكية حاليا، فأن الملف العراقي كان ولا زال خاضعا للسيطرة المباشرة للشخصيات اليهودية الصهيونية في الادارة الامريكية، ومن اشهرهم: ( بول وولف وتس، دوغلاس فايث، سكوتر ليبي، اليوت برامس، ريشارد بيرل)، وقد وضع هؤلاء نصب اعينهم المبدأ التالي :

((بالنسبة لاستراتيجتنا في العراق يتوجب اولا مراعاة مصلحة اسرائيل ، ثم بعدها يمكن مراعاة مصلحة امريكا..)).

نعم ان العقل الصهيوني الامريكي المتعاون مع الموساد الاسرائيلي هو الماسك بالملف العراقي، قد وضع استراتيجية غايتها تحقيق الاهداف التالية:

1 ـ اشباع روح الانتقام المخزونة في العقل الصهيوني ازاء تاريخ العراق وثقافته من خلال الاسهام المباشر والتهيئة المسبقة لتدمير تراثه وسلب متاحفه وحرق مكاتبه، ثم القضاء على دولته وجيشه وسحق بنيته الادارية والاقتصادية. وقد نجح الصهاينة باقناع الادارة الامريكية بهذا التخريب المقصود، بحجة انه سوف يساعد على القضاء على كل دولة البعث وجيشه وشرطته ومنع اية امكانية للعودة وتشكيل خطر على الاحتلال، ومن ثم  يمكن البداية من الصفر في عملية بناء العراق الجديد!! 

2 ـ نشر الفوضى والعنف بين العراقيين من خلال التشجيع المباشر وغير المباشر على اقامة الشبكات الارهابية، أي ما يسمى بالمقاومة المسلحة. هنالك دلائل عديدة تؤكد على ان الجزء الاعظم من هذه العمليات المسلحة تمسك بخيوطها امريكا والموساد الاسرائيلي ومخابرات الطلباني والبرزاني. هنالك شك حتى بحقيقة عدد الضحايا من الجيش الامريكي، فلا احد شاهد حتى الآن لا الضحايا ولا الفاعلين. ان الضحايا الوحيدين الذين شاهدناهم حتى الآن هم من العراقيين مدنيين وشرطة، بالاضافة الى ضحايا الجيوش غير الامريكية والانكليزية!! على اية حال حتى لو كان هنالك ضحايا امريكيين فان هذا مشروع في العقلية الصهيونية التي ظلت تبرر حتى تفجير المعابد اليهودية من اجل ارهاب الجاليات اليهودية واجبارها على الهجرة الى اسرائيل. هنالك يقين لدى العراقيين بان القسم الاكبر مما يسمى  بعمليات المقاومة (وليس كلها) هو جزء من لعبة كبيرة وقذرة غايتها ابقاء الوضع على ما هو عليه للتغطية على ما يخطط سرا. ومن الناحية الاعلامية الخارجية، فانهم نجحوا ان يصوروا العراقيين خاضعين لعدة قوى متطرفة، الشيعة تحت إمرة الصدر وملالي ايران، والسنة تحتة امرة صدام وبن لادن، والاكراد تحت امرة الاسلاميين المتطرفين، وهكذا دواليك، وامريكا المسكينة دورها القضاء على التطرف وعقلنة العراقيين!! ثم من الناحية النفسية فأن هذا العنف الدائم غايته ابقاء العراقيين في حالة انكسار وخوف دائمين لاجبارهم على القبول بالواقع المفروض والخضوع لقوات الاحتلال التي اقنعت العالم وحتى العراقيين بانها تقوم بدور( الاطفائي) لاخماد حرائق الارهابيين وتعليم العراقيين معاني السلم والديمقراطية!!

3 ـ دفع حلفاء امريكا من القيادات العراقية(  غالبية اعضاء مجلس الحكم، وليس كلهم)، الى تشجيع وتعميق الانقسام الطائفي والعرقي في المجتمع العراقي وتأبيد هذا الانقسام في الدولة والبنية الحكومية العراقية، من خلال لعبة التوزيع الطائفي والعرقي. ثم  دفع البعث الكردي بقيادة الطلباني والبرزاني الى استغلال غياب الدولة وجيشها وانكسار العراقيين، الى القيام بحملة شعواء للتصفية العرقية وطرد الناس من بيوتهم في شمال الوطن والاستحواذ على مناطق جديدة ومحاولة تكريد كركوك ذات الخصوصية التركمانية والتي تحتوي على 60 % من نفط العراق ، وافتعال الصراعات العرقية ضد العرب والتركمان والسريان واليزيدية.

ان هذه السياسة الصهيونية بتعميق الفرقة بين العراقيين، تساهم فيها اطراف في مجلس الحكم ، سواء عن وعي وقصد ومنفعة اوعن سذاجة وجهل، مثال ساطع على هذا، قيام السيد عبد العزيز الحكيم باصدار قراره سيء الصيت بالغاء قانون الاحوال الشخصية ليحل محله ( اللا قانون) أي ترك كل اصحاب مذهب حرية فرض شريعتهم على ابناء مذهبهم، وبالتالي حفر هوة قانونية بين العراقيين وتشكيل دوليات مذهبية كل منها لها قانونها المغلق الخاص بها ( على الطريقة اللبنانية) ، فمثلا ان الزواج الشيعي السني سوف يصبح شبه مستحيل لأن احدهما يجب ان يتخلى عن مذهبه ويوافق على الزواج ضمن مذهب الآخر!!  وهذا يذكر بقانون العشائر العراقية الذي فرضه الانكليز في العهد الملكي ، والذي جعل رئيس كل عشيرة يحكم فلاحيه حسب قانونه الشخصي الخاص به!!

ان الغاية النهائية من كل هذه اللعبة الطائفية العرقية، حسب المنطق الصهيوني، ابقاء قنابل طائفية عرقية دائمية في العراق، من اجل تفجيرها عند ظهور اية بادرة تمرد من قبل الحكومات العراقية في المستقبل!!

4 ـ القضاء التام على الجيش والشرطة، من اجل اشباع روح الانتقام التاريخي الصهيوني اولا، ثم خلق جيش وشرطة عراقية ضعيفة ومنخورة من الداخل بقيادات هزيلة وتابعة مباشرة للمخابرات الامريكية والموساد الاسرائيلي، بالاضافة الى ان تأسيس هذه القوات يقوم على  وجود انقسامات طائفية وعرقية ثابتة  وتتمتع فيها قوات البعث الكردي ( البيشمركة) بحصة الاسد.

اتفاقية بريمر ـ طلباني والمشروع الصهيوني للدولة العراقية

بالحقيقة ان ( اتفاقية تسليم السلطة) المعقودة بين السيد بريمر والسيد الطلباني، ليست مشروعا امريكيا فحسب، بل هي اساس مشروع اللوبي الصهيوني الماسك بالملف العراقي. ان هذه الاتفاقية هي حجر الزاوية والغاية الكبرى في كل الاستراتيجية الامريكية:

تسليم السلطة والدولة العراقية الى الطبقة الجديدة التي يتم تشكيلها من اتباع وانصار واقارب القسم الاكبر من اعضاء مجلس الحكم. ان طبقة الاغنياء الجديدة هذه ، بدأت تتشكل بصورة سريعة منذ بدء الاحتلال، من خلال الاستيلاء على املاك وقصور وثروات قادة البعث، ومن خلال عمولات ورشاوي الصفقات السرية والعلنية مع الشركات الامريكية والعالمية، ومن خلال سرقة مساعدات وتبرعات الدول الخليجية والصديقة الى الشعب العراقي، ومن خلال التلاعب بثروات الدولة العراقية وتبييض الاموال وآخرها فضيحة مليارات الدنانير العراقية المهربة الى لبنان، وكذلك عبر لعبات عديدة لا ينتبه لها غير المختصين، منها مثلا  قرار الغاء الدينار القديم من كل العراق واعادة التعامل به فقط في مصارف الطلباني والبرزاني، من اجل الحصول على ارباح المليارات من فروقات سعر العملة المخبئة!! وكل هذا الفساد يجري تحت رعاية العقل الامريكي الصهيوني من اجل الاسراع بتشكيل هذه الطبقة المرتزقة والمنحطة الجديدة والتي سوف تفوق طبقة البعث بشراستها وخستها وتخريبها.

ان اصرار امريكا وحلفائها على تسليم السلطة من دون انتخابات بل من خلال عملية اختيار وتعيين، لأنها مدركة جيدا بأن جميع احزابها، حتى مع عمليات التزوير، سوف لن تحوز حتى على 10% من اصوات العراقيين. ان البعث الكردي الحاكم في امارتي الطلباني والبرزاني يصر على رفض الانتخابات، لأنه يخشى فضح ضعفه وعدم تمثيله لغالبية اكراد العراق، حيث لا زال البرلمان هناك من دون تجديد ولا شرعية انتخابية منذ عدة سنوات. أن الشعب العراقي مع كل انكساره وجروحه وصمته، إلا انه يمتلك ما يكفي من الذكاء والنباهة لكي يدرك مدى وضاعة وانحطاط هذه الطبقة الجديدة الصاعدة. انها طبقة، ليست فاقدة للحس الوطني فقط، بل هي فاقدة حتى للحس الانساني.. انها طبقة شرهة بصورة حيوانية.. مستعجلة على السرقة والاستحواذ بصورة فجة وقاسية بحيث انها توافق بخنوع واذلال ووفاء كلبي على ما كل ما يفرضه الموساد الاسرائيلي من قتل وتدمير وتأبيد للخراب العراقي. ان المشروع الصهيوني في العراق، يريد ان يستحوذ على الحليب وعلى البقرة بنفس الوقت،كما يقول المثل. انهم يريدون الاستيلاء على ثروات العراق وبنفس الوقت يريدونه عراقا مريضا معاقا خاضعا الى طبقة منحطة بسياسة طائفية عرقية وجيش منقسم هش وشرطة مرتشية وديمقراطية مزيفة شكلية تعتمد الاغتيالات وشراء الذمم وكتم الاصوات. نعم انهم عازمون على خلق نظام جديد الى درجة من الانحطاط والسفالة بحيث يجعل كل العراقيين يترحمون على صدام و"إنسانيته "!!

  حتى الطفل العاقل يمكنه ان يعرف مسبقا حقيقة السلطة التي يريدون تشكيلها بعد حزيران القادم. يكفي العراقيون ما عانوه حتى الآن من السياسة التخريبية منذ بدأ الاحتلال وحتى الآن، لكي يعرفوا ماهية سياستهم القادمة. ترى الناس يرددون ساخرين :

ـ (( قبل ان يترك صدام الحكم، اوصى الامريكيين بأن لا يتركوا العراقيين ابدا يعيشون من دون ازمات يومية خانقة.. على مبدأ جوع كلبك يتبعك.. هنالك انقطاع دائم للكهرباء، طوابير لساعات وساعات امام البنزين والغاز.. غياب الهواتف من الجزء الاكبر من المناطق ، وازمات عديدة لا تنقطع..))!!

انهم استغلوا معانات العراقي من رعب صدام، فاضافوا اليه رعب الارهاب والتفجيرات الدائمة، حتى تحول العراقي الى كائن جامد منطوي على ذاته لايهمه حتى لوتفجرت الارض من تحته. لقد حاصروه بالرعب والازمات مع اطنان من ازبال الصحف والوعود الخلابة بالجنان الخضراء واخبار العقود المليارية الكبرى التي ظلت دائما حبرا على ورق، بينما هو حتى الآن محروم من خطوط الهواتف والانترنت(النادرة والمحدودة جدا) والسفر الطبيعي ووسائل الاتصال بالعالم الخارجي، ولا زالوا يتحججون بالارهاب من اجل ابقاء مطار بغداد مغلقا لاعاقة قدوم ابناء الجاليات العراقية في الخارج. 

الشارع العراقي صار يطلق على ( مجلس الحكم) تسمية ( مجلس السياحة والسفر) حيث يمضي كل رئيس شهري جديد وقته بالسياحة والتجوال ونثر التصريحات الطنانة الفارغة بحجة محاولة اقناع دولة العالم بأهلية جماعته، بينما هم منقطعون تماما عن هموم الشعب العراقي ومشاكله الحقيقية. انهم يتشدقون بالديمقراطية وبنفس الوقت لديهم تلفزيون مشوه لا يقل تعاسة عن تلفزيون صدام، يهيمن عليه الصوت الواحد مع فرق وحيد هو ان جوقة مجلس الحكم قد حلت محل جوقة البعث.. بل ان هذا التلفزيون فاقد حتى لعراقيته، حيث تغيب عنه النتاجات العراقية وتسوده الاغاني والمسلسلات العربية. اما الصحافة وثورتها المزعومة فهي لا تختلف عن صحافة البعث الا ببعض التوابل الشكلية. الحرية الوحيدة الموجودة هي حرية ادانة النظام البائد، لهذا تراه الموضوع الاول والاكبر السائد في جميع الصحف! بنفس الوقت هنالك صمت تام عن كل احداث الوطن الكبرى، بحيث ان المواطن العراقي مضطر ان يتابع وسائل الاعلام الاجنبية لمعرفة ما يجري في الوطن. كل شيء ممنوع والصوت الواحد هو الطاغي. ومن يختلف معهم ويرفض الخنوع والارتشاء فسوف يتم اغتياله بأيادي مجهولة بحجة انه كان من انصار البعث!! انهم يقمعون بالدم والرصاص حتى المظاهرات السلمية المطلبية. هنالك صمت مرعب وغرائبي عما يجري في الوطن من مسرحيات قذرة مرعبة ودامية: مواجهات عسكرية وتصفيات بدنية وتفجيرات جنونية وقصف حربي لقرى وبلدات واعتقالات عشوائية.. كل هذا باسم مكافحة المجموعات الارهابية.. انهم يتحدثون عن وجود حوالي 10 آلاف معتقل عراقي، في الوقت الذي لم يعرض حتى الآن ولا ارهابي واحد، امام وسائل الاعلام او المحاكم الشرعية او اللجان الدولية او حتى الهيئات الشعبية والدينية العراقية. من الامور الكفيلة باثارة حفيظة أي انسان عاقل، ان امريكا تتوسل حتى بحكومات الجزر النائية من اجل ان ترسل جيوشها الى العراق، مثل النخاس الذي يطلب حراسا لجواريه وعبيده.. وكأن هذا البلد التعس بلا رجال قادرين على حمل السلاح وحماية اعراضهم وانفسهم.. نعم ان امريكا تحتقر وترفض حتى عملائها من العراقيين!!  والانكى من هذا ، انها في الوقت التي تصرخ ليل نهار متشكية من الارهاب وجماعات بن لادن المتسللة عبر الحدود، فأنها لا زالت وبأصرار عجيب ومذهل تترك حدود العراق مفتوحة وترفض مراقبة حتى جوازات الداخلين!! انها شعوذة غرائبية ولعبة جهنمية تشارك بتنفيذها ايادي غامضة عديدة واطراف متحالفة ومتصارعة، مثل مخابرات الطلباني والبرزاني والموساد الاسرائيلي وغيرهم من الذين من مصلحتهم ابقاء الوضع متوترا والدولة غائبة والشعب خائف ضعيف، من اجل فرض مشاريعهم على الأمر الواقع. نعم انها حالة لغزية تقبل كل التخمينات والشكوك، ويستنكف عن القبول بها والسكوت عنها حتى جلادي النظام البائد، فكيف تسمح ضمائر اعضاء مجلس الحكم بهذا الصمت الخنثوي!؟ 

        نعم.. لنطمئن امريكا ونعترف باسرائيل!!

 يوما بعد يوم يدرك العراقيون بأنهم يعيشون في ظل مؤامرة كبرى تستغل جروحهم ومعاناتهم لتخلق لهم طبقة منحطة مرتزقة تقود دولة مشوهة تعيش على اقتصاد تابع  لتبقى الامة العراقية الى الابد ضعيفة منكسرة مثل انسان مريض معوق. ان السياسة الاعلامية النفسية الامريكية الصهيونية قد نجحت بأن تضع العراقيين امام خيارين سائدين:

ـ خيار الخنوع للامر الواقع والتذلل له والتضحية بمصالح الوطن ومستقبل اجيالنا والسكوت عن كل المؤامرات السائدة والقادمة، وهو خيار غالبية اعضاء مجلس الحكم وانصارهم. مع التأكيد على ان هنالك اعضاء في مجلس الحكم نزيهون ولكنهم مترددون في حسم مواقفهم. انهم يفهمون الواقعية على انها خنوع وتملق وتكريس للواقع الفاسد، بينما الواقعية العقلانية تعني تفهم الواقع الفاسد والاستفادة من نقاط الضعف فيه من اجل التمرد عليه وتغييره نحو الاحسن.

ـ خيار ما يسمى بالمقاومة المسلحة والارهاب الاهوج، وهو خيار لا يقل سوءا عن الخيار السابق لأنه يجهل تماما الواقع ويغمض عينيه عن حقائقه، وهو بهذا ايضا يساهم بخدمة الاحتلال وتكريس الواقع الفاسد، حيث الغالبية الساحقة من ضحايا الارهاب هم من العراقيين.. نعم انه الوجه الثاني من اللعبة القذرة.

 لكن هنالك خيارا ثالثا، الا وهو خيار (المقاومة السلمية) أي خيار الوسطية والواقعية العقلانية. وشعار هذا الخيار هو: لا للخنوع والارتزاق.. لا للتطرف والارهاب.. نعم للحشود الشعبية والمظاهرات المليونية..

  اما السؤال المهم والاساسي فانه يخص الشعارت والبرنامج الكفاحي المطلوب الذي يمكن ان تجتمع عليه مختلف اطياف وفئات الامة العراقية. يبدو ان العراقيين ، بعد كل هذه التجارب المريرة، هنالك رأي جديد وعقلاني بدأ يتبلور بينهم ولا زالوا يهمسون به فيما بينهم بأنتظار ان تعلن عن تبنيه بصراحة وجرأة  النخب الثقافية والدينية والسياسية القادرة على قيادة النهضة الشعبية الكبرى التي ستنمو وتنطلق خلال الفترة القادمة. وهذا الرأي يدعو اولا وقبل كل شيء الى تجنب التطرف والشعارات الجوفاء والتروي بالتفكير الجدي والضميري امام هذا الواقع المزري وامام هذه الحقائق المحزنة والقاسية التي لا ترحم ابدا ذوي النيات الحسنة. لكي تنجح هذه المقاومة الشعبية بتحشيد غالبية قوى الامة، عليها ان تتفق على مطاليبها الواضحة والمحددة، ولكي تعرف مطاليبها هذه عليها قبل كل شيء  ان تقر بوجود المشكلة المعقدة التالية:

 ان الملف العراقي بيد اللوبي الصهيوني المرتبط باسرائيل، وان الوجود الامريكي يفكر بمصلحة اسرائيل وامنها قبل مصلحة امريكا نفسها. من المعلوم باننا ابدا لا نستطيع،على الاقل حاليا، مواجهة العملاقين الامريكي والاسرائيلي بآن واحد. مع كل هذا الاقرار بالدور الشيطاني للوبي الصهيوني والموساد الاسرائيلي والادارة الامريكية، الا ان هذا، على عكس المتوقع، سوف لن يجعلنا نقع في مطب الخطابات الثورية الغوغائية على الطريقة الصدامية الفارغة، بل يجب ان يجلعنا اكثر واقعية وعقلانيا آخذين بنظر الاعتبار المتغيرات الدولية وغياب المعسكر السوفيتي وهيمنة امريكا على العالم. ان الغالبية الساحقة من العراقيين مقتنعون بضرورة التحلي بالواقعية والقبول بالسياسة البرغماتية التالية:

ـ طمئنة امريكا واسرائيل، بأنهما ابدا ليسا بحاجة الى عراق هش منكسر مهدد منقسم لكي يضمنوا سلامة اسرائيل ومصالح امريكا. بل على العكس يتوجب تذكيرهم بان هذا الخراب العراقي إذا طال وازمن يمكن ان يؤدي الى ظهور حركات يائسة حاقدة عنفية متطرفة تعمل على تأجيج احقاد العراقيين والشعوب المجاورة ضد اسرائيل وامريكا قد تسبب انفجارات شعبية تدمر كل مشاريع امريكا وحلفائها في المنطقة.  يجب التأكيد لهم من خلال المفاوضات وفي البيانات، اننا ابدا لسنا ضد مبدأ الاعتراف باسرائيل ما دام الفلسطينيون انفسهم ومنظمة التحرير الفلسطينية نفسها ومعظم الدول العربية قد اعترفت باسرائيل، فلماذا يتوجب علينا نحن وحدنا ان نتحمل وزر غيرنا. هذا لا يعني ابدا التخلي عن اشقائنا الفلسطينيين، بل يمكن ان نتخذ من المثال الاردني والمصري نموذجا لمثل هذه السياسة المطلوبة: نحن مع التفاوض والسلام والعلاقات الدبلوماسية مع اسرائيل ولكننا ايضا نتضامن شعبيا وضميريا مع الفلسطينيين.

يجب ان يتم اعلان هذا الموقف من دون مراوغات ولا تكتيكات خداعية بل ان يكون موقفا حقيقيا يتم التثقيف به شعبيا والدفاع عنه والايمان الفعلي به، لنتخلص الى الابد من جعجعات صدام وجيوشة الجرارة لتحرير القدس مرورا بايران والكويت!! لنكن على يقين بأننا من دون هذا الموقف الجرئ بطمأنة اسرائيل وامريكا سوف لن ننجح بمشروعنا الوطني وكفاحنا الشعبي ابدا.

ليكن ايضا نموذجا قريبا لنا، هو (النموذج التركي) فهي بلد مسلم ووريثة الخلافة الاسلامية العثمانية ويقودها الآن حزب اسلامي وفيها جيش قوي واقتصاد متطور ونظام برلماني مستقر، ومع هذا فأنها عضوة بالحلف الاطلسي ومتفاهمة مع اسرائيل.  كل الذي نتبغيه من امريكا وحلفائها ان تترك العراق يستعيد عافيته ويحي دولته ويبني جيشه وشرطته، وتقوده نخبه الممثلة لاحزابه ومحافظاته عبر انتخابات ديمقراطية ورقابة صحفية.

مطالب الحركة الشعبية

ايها العراقيون الشرفاء .. يا اصحاب الضمائر والحريصون على كرامة وطننا ومستقبل اطفالنا...

يجب ان نقول لامريكا ولحليفتها اسرائيل، انتم لستم بحاجة لكل هذا الخراب ولهذه المؤامرات لتخلقوا طبقة مرتزقة تشرف على دولة هشة مريضة ممزقة بسياسة استبدادية قمعية فاسدة وتغذيها صراعات طائفية وعرقية دائمة، كل هذا في الاخير لكي تضمنوا مصالحكم وبقائكم في المنطقة... لا ثم لا ثم لا.. سوف نقاوم بكل بسالة هذه المشاريع التدميرية لبلادنا.. سوف ننزل الى الشوارع حشودا بعد حشود وامامنا تجارب ثورات الهند وايران وانتفاضات شعبنا.. سوف نكتب بالصحافة ونصرخ بوسائل الاعلام .. سوف يتظاهر معنا ابناء جالياتنا في جميع انحاء العالم من اجل الاستنجاد بأهل الضمائر الحية بما فيهم الامريكيون والانكليز بل حتى افراد كثر من قوات الاحتلال نفسها.. من اجل تحقيق المطالب التالية:

اولاـ رفض اتفاقية تسليم السلطة عن طريق المداولات والتعيين ومشروع نظام الحكم الطائفي العرقي (الرئاسة الثلاثية) على الطريقة اللبنانية وفدرالية البعث الكردي. من الخطأ جدا جدا التأثر بالاشاعة التي يحاول ان يبثها انصار امريكا والموساد والقائلة : بأن الانتخابات سوف تجلب الى السلطة القوى الدينية و(الرجعية!!).. ان العكس هو الصحيح: ان القوى الرجعية هي التي موجودة الآن في السلطة واكبر دليل انها نجحت بفرض قانون فرض الشريعة السيء الصيت. حتى موافقة هذه القوى الرجعية على مطلب الانتخابات ليس سوى محاولة لكسب الشارع.. لهذا من الواجب على القوى الوطنية والمدنية عدم التردد ابدا بتبني مطلب الانتخابات، وإلا فانها سوف تفتقد تماما أي تأثير على الشعب وتعزل وتموت، وتترك الباب  مفتوحا على مصراعيه للقوى الامريكية والرجعية ان تأخذ المبادرة وحدها وتستولي على الشارع.. ليس امامنا الا خيارين: اما الخيار الامريكي الذي سيكرس سيطرة القوى التابعة الحالية ويركز هيمنة طبقة الاغنياء الجدد المنحطة الصاعدة... اما الخيار الشعبي الانتخابي الذي لا بد ان يفرض قوى شعبية وطنية جديدة قادرة على قيادة الدولة العراقية الجديدة والحوار الجاد والفعلي مع الامريكيين.

لنعلن اصرارنا من دون تردد على  اننا نريد انتخابات حرة نزيهة تحت رقابة الامم المتحدة  والهيئات الدولية، تجري في جميع المحافظات العراقية من اجل تكوين برلمان وطني يمثل جميع المحافظات بصورة نسبية حسب عدد السكان