PDFتحميل

 

   سليم مطر ـ جنيف 2003  

 

 

مقالات في الهوية :

 

(1 ـ 6) مفهوم الهوية بين التعميم والتخصيص

 

في كل مرة يتم التطرق لموضوع هوية الجماعات والشعوب وصفاتها الثقافية والنفسية التي تميزها بعها عن بعض، يتردد الاعتراض التالي : ( يجب عدم التعميم ، لكل فرد خصوصيته، ومن الخطأ وضع جميع ابناء الشعب الفلاني بسلة واحدة ). هذا الكلام صحيح عند الحديث عن صفات " القيمة" عن الأحسن والأسوء، لن هذا يقود الى العنصرية، والشعب الراقي والشعب الجاهل.. لكن عند الحديث عن صفات اجتماعية نفسية ثقافية حيادية خارج موضوع القيمة، مثلما هي الفروق التي تميز ثمرة التفاح عن ثمرة البرتقال، فأنه يصح الحديث عن "هوية"  وطعم لكل شعب تميزه عن باقي الشعوب. مثلما تتميز الشعوب عن بعضها البعض بالصفات البدنية الشكلية من لون وملامح وحجم كذلك تتميز عن بعضها البعض بصفات اجتماعية ونفسية عديدة، ورثتها من التاريخ والبيئة والموقع الجغرافي.

بالحقيقة ان إشكالية التعميم والتخصيص لا تتعلق فقط بعلم الاجتماع وحده ، بل تتعلق بكل العلوم وبكل الظواهر ومجالات المعرفة مهما كانت. ان أي موضوع او ظاهرة لا بد ان يتضمن جانبين: عام وخاص. مثلا، ان كل إنسان يحتوي على (خصوصيات فردية ) تميزه عن باقي البشر من ناحية الشكل والطول والعمر والطباع والأفكار وغيرها من الصفات الشخصية. لكن كل إنسان، يجب ان يحتوي على صفات (عامة مشتركة) تجمعه مع باقي البشر بما يسمح باعتباره بشرا وليس حيوانا او نباتا.

 

هوية المرأة والرجل

 في هذا السياق يمكن الاستشهاد بموضوع اكثر شهرة وتداولا، الا وهو مسألة هوية (المرأة والرجل). يلاحظ  انه في كل مكان عند النقاش بهذا الموضوع فأن هنالك موقفان متطرفان يتواجهان ويتمحوران حول: (التعميم والتخصيص).

من ناحية، هنالك انصار المرأة الذين يرفضون تماما أي (تخصيص انثوي) عن وجود صفات نفسية وعقلية خاصة بين النساء تميزهن عن الرجال. يؤكد هؤلاء النسويون على(الخصوصية الفردية) النفسية والعقلية لكل امرأة على حدة. وهم بالتالي يعتبرون ان النساء مثل الرجال لهن خصوصيتهن الفردية الشخصية ولا يمكن الحكم عليهم بصورة مشتركة كجنس متميز عن جنس الذكور.

اما المحافظون الرافضون لحرية المرأة فأنهم يلجأون الى العكس تماما، إذ يؤكدون على الصفات الأنثوية(الخاصة جدا) التي تحملها كل النساء من دون اية تنوعات فردية شخصية تميز إمرأة عن اخرى. هذا يعني تبرير اطلاق الاحكام التبسيطية الشمولية ضدهن وتكريس التمييز والاضطهاد.

كما هو الحال بالنسبة لكل التعارضات الفكرية بين طرفين متطرفين، فأن  (الحل الوسط) الجامع بين النقيضين هو الافضل: صحيح ان كل امرأة لها خصوصيتها الفردية التي تميزها عن كل النساء ، الا انه لكي يتم اعتبارها إمرأة ، من المنطقي جدا  انها تحمل من الصفات البدنية والروحية ما يجمعها مع باقي النساء وما يميزها بالتالي عن جنس الرجال . مثلا يمكن القول ان هنالك  بعض النساء اقوى عضليا من بعض الرجال، ولكن لو اخذنا مئة امرأة ومئة رجل، فأننا سنجد اغلبية الرجال اقوى عضليا من اغلبية النساء، مثلما يصح القول بأن الاغلبية الساحقة من النساء تحيظ وتحمل. هذه حقيقة واقعية متفق عليها في جميع الازمان والمجتمعات، ومعمول بها في كل المسابقات الرياضية.

كل هذه الصفات البدنية النسوية لا بد ان تكون مصحوبة ايضا بصفات نفسية وإجتماعية عامة وشاملة لمختلف الازمان والمجتمعات. هنالك تمايزات انثوية ذكورية لا تحصى: بين مشاعر الأمومة والأبوة.. في الموقف من الجنس.. في غلبة العاطفة او العقل.. في الميل الى الرقة او العنف.. وهكذا دواليك من الصفات النفسية التي لا يمكن فصلها عن الصفات البدنية والوظيفية التي تميز الجنسين والتي لها ميراثها النفسي المتراكم في كل انثى وذكر منذ إن وجدت الخليقة.

لكن الإعتراف بهذه(( الهوية)) المتميزة لكل من الذكر والأنثى، لا يعني ابدا القبول بمبدأ القيمة: الجنس الأفضل والأقوى والجنس الأسوء والأضعف.. التمايز المقصود هو التمايز ((التكاملي)) وليس التمايز ((التفاضلي)). فمثلا القول بأن المرأة تغلب عليها العاطفة لايعني بالضرورة انها اقل قيمة من الرجل. فلماذا هذا الإعتقاد(الفحولي) بأن العاطفة اقل قيمة من العقل؟ ان العقل وحده هو الآلة العديمة الحس والضمير، التي تدفع للربح والإستحواذ والعنف والجريمة والحروب، كذلك العاطفة وحدها هي المشاعر الجياشة الثملة المجنونة التي تؤدي الى الفقدان وإنعدام القدرة على تفهم الواقع والسيطرة عليه. الأثنان يتساويان في القيمة لأن كل منهما يحتاج الى الآخر لكي يتاوزن ويصبح ايجابيا ، أي كل صفة منهما تكمل الصفة الاخرى. هكذا بالنسبة لجميع الصفات الخاصة بالانوثة والذكورة، تكامل بدني مع تكامل روحي نفسي..

 

تجنب العنصرية والتعميم المطلق

    ان الحوار الحقيقي بأي موضوع مهما كان، يفرض تلقائيا، شئنا ام ابينا، عملية التعميم والتخصيص: الجماعة الفلانية.. المنطقة الفلانية، النباتات الفلانية، الطيور الفلانية..الخ.  لكن الحساسية تفرض نفسها خصوصا عند المواضيع المتعلقة بالجماعات الانسانية. أي كيفية تجنب إطلاق الاحكام الجزاف ضد الجماعة او الطائفة او الشعب الفلاني:( النساء هكذا ، العرب هكذا، الاوربيون هكذا، الفلاحون هكذا ، المسلمون هكذا .. الخ ) . نعم ان التعميم يمكن ان يبرر الاحكام الجزاف ويشجع النزعة العنصرية، لكن المشكلة انه ضروري من اجل التحليل والتمييز، والا فمن المستحيل ان يتم الحديث فقط عن الأفراد وحدهم وتجنب الحديث عن الجماعة.

    لكن يمكن الحديث عن الجماعة مع تجنب اقصى الامكان الوقوع السهل في براثن الأحكام السهلة العنصرية والتقييمة، من خلال محاولة الإعتماد على الأحكام الموضوعية الحيادية المستندة على المبدأين التاليين:

اولاـ تجنب التأكيد فقط على محاسن الجماعة او عيوبها، بل يتوجب الأخذ بنظر الإعتبار بأن اية جماعة انسانية لها عيوبها ولها محاسنها التي تختلف عن عيوب ومحاسن الجماعات الاخرى.مثلا يقال عن السويسريين بانهم ضعيفين جدا بالاتصالات الشفهية وقدراتهم الكلامية مكبوتة، لكنهم بنفس الوقت يمتلكون قدرات عملية وتنفيذية كبيرة جدا تعوض ايجابيا عن النقص السابق. وهم ايضا مسالمون جدا ولا يميلون الى العنف البدني المباشر، ولكنهم ايضا غيرون ويمارسون اسلوب التجاهل والاستخفاف بالآخر بصورة تتجاوز احيانا تأثير العنف البدني.

ثانيا ـ تجنب الحكم المطلق على الفرد من خلال الحكم على جماعته. ان اية جماعة مهما اشترك افرادها بصفات معينة فأنهم من المحتم ان يتميزوا عن بعضهم بدرجة تأثير هذه الصفات على كل واحد منهم. مهما كانت الصفات العامة الجماعية واضحة وسائدة فأن هنالك دائما خصوصيات فردية تتميز عن الصفات السائدة بدرجات مختلفة. بصورة عامة ، في كل جماعة هنالك دائما حوالي ربع الأفراد يختلفون عن الثلاثة ارباع  السائدين، تطبيقا للمقولة المعروفة : ((لكل قاعدة إستثناء)). أي ان كل قاعدة مهما كانت صارمة وصادقة فأنها لا تمثل الا ثلاثة ارباع الحقيقة، وهذا يشمل كل الافكار والمعتقدات والمواقف. لأن الحقيقة تظل ناقصة ودائمة الصيرورة مادامت الحياة مستمرة. يعني اننا مهما قلنا عن الشعب المصري طريف ويحب النكتة فأنك تجد جزءا من المصريين لا يميلون الى الطرافة وسلاسة اللسان.

نعم ان هوية الشيء فردا او جماعة لا تعني المطلق الكلي بل الغالب السائد.

 

 

الهوية الوطنية بين الفرد والجماعة

مفهوم (الهوية) مثل معظم مفاهيم العلوم الانسانية، هلامي وواسع يحتمل الكثير من المعاني والتفسيرات، وكثيرا ما يتم خلطه مع (الثقافة)، التي هي بالحقيقة تشكل جزءا من مفهوم الهوية وليس كله. ان افضل توضيح لهذا المفهوم هو مثال  (الهوية الفردية) المعبر عنها من خلال بطاقة الهوية الرسمية التي  تحمل عموما المعلومات التالية: إسم الشخص، إسم عائلته او لقبه، مكان وتاريخ ولادته، جنسه، حالته الزوجية، بالاضافة الى معلومات عديدة مختلفة مثل المهنة والحصيلة الدراسية والدين واللغة الأم والعلامات الفارقة والطول والوزن، وغيرها من المعلومات حسب النظام المتداول .

  لو تمعنا في هذه المعلومات لوجدناها تتضمن شرطين: الوحدة الذاتية المكانية.. وكذلك الديمومة الزمانية.

 

     الوحدة المكانية "الذاتية"

  من المعروف ان كل المعلومات الواردة في البطاقة ماهي الا صفات او ميزات بدنية ومعنوية شخصية تتعلق بالفرد المعني كله وليس جزءا منه. انها صفات ( يتوحد) عبرها الفرد ويجتمع بكل مكونات كيانه باعتباره (شخص) أي فرد انساني واحد موحد ومتفرد عن كل البشر، بما في ذلك القريبون منه او المتشابهون معه.وهذه الصفات متداخلة من الناحيتين البدنية والمعنوية.

   فلو اخذنا الناحية البدنية فنلاحظ ان الإنسان الواحد ينقسم بدنيا الى العديد من الاعضاء والاقسام وما لا يحصى من الخلايا، وكل عضو وخلية تتميز فيما بينها بشكلها وجوهرها ووظيفتها ، الا انها كلها تجتمع و"تتوحد" لتكون بدن الانسان وتشكيل الصفات التي تميز بدنه عن باقي ابدان البشر. ان الواحد مهما كان موحدا فانه يتكون من وحدات مختلفة، حتى الذرة المتناهية الصغر تتكون من وحدات عديدة مختلفة. لكن جميع الوحدات مهما تمايزت فانها تنسجم بوجودها وحركتها في داخل البدن الواحد الذي يجمعها.  

   كذلك من الناحية المعنوية ، فصحيح ايضا ان الانسان الواحد ينقسم معنويا او روحيا ( نفسيا وعقليا) الى العديد من الاتجاهات والقناعات الفكرية والميول النفسية والامزجة المختلفة حسب متغيرات عمره وظروفه ونوعية زمانه ومكانه، لكن كل هذه"الميول المتعددة"  في الشخص الواحدة، مهما تمايزت فأنها تجتمع في "شخصية موحدة" متفردة ومتميزة عن كل شخصيات باقي البشر.  

  على اساس هذه الصفات البدنية والمعنوية الشخصية المتفردة، مثل الصوت والنظرات والحركات والمزاج والأفكار والسلوك والهيئة وغيرها من الصفات المعلومة وغير المعلومة، يمكن للناس ان يعرفوا هذا الشخص ويتعاملوا معه على انه فرد متميز ومسؤول عن ذاته. حتى التوائم، رغم ما لا يحصى من الروابط البدنية والمعنوية المشتركة بينهم، الا ان كل واحد منهم يحمل (هوية) بإسم وصفات تميزه عن شقيقه. وافضل توكيد على فردانية الانسان، وكل الموجدات ايضا، انه ليس هنالك شخصين في الارض كلها يتشابهان بالبصمات ، حتى التوائم . ان فردانية البصمات تعبير ساطع عن فردانية كل انسان!

ان هذه الذات الفردية المتوحدة والمتميزة عن غيرها لا تنكشف فرديتها الا عبر مقارنتها مع الذوات الاخرى. أي شخص يدرك بأنه بشر لأنه يشترك بصفات محددة مع باقي البشر تميزه عن غيره البشر. وهو يدرك بأنه رجل لأنه يشترك مع باقي الرجال بصفات بدنية ومعنوية تميزه عن النساء. على هذا المنوال فأن كل فرد انساني يحمل ما لا يحصى من الصفات التي تجمعه بأجزاء من البشرية وتميزه عن اجزاء اخرى، مثل الجنس واللغة والدين والمنطقة والمهنة والميول الفكرية والهوايات وغيرها الكثير من الصفات الثانوية والمهمة.

 

    الديمومة الزمانية

ان الإعتراف بكينونة الفرد وتمايز شخصيته البدنية والمعنوية لا يتم فقط بالاعتماد على( لحظة) معينة، بل ايضا بالاعتماد على(ديمومة) زمانية تكشف عن ديمومة صفات هذه الوحدة الفردية. ان فلان الذي نعرفه كشخص متميز بإسمه وشكله وشخصيته، نعرف ايضا انه بجوهره ( هو دائما ) فلان نفسه ولا يمكن اعتباره شخصا آخر بعد كل يوم او كل فترة.  مهما اثرت الظروف بالفرد وتعرض لمتغيرات بدنية ومعنوية، الا انه بالنسبة للجميع يبقى هو نفسه بإسمه وبدنه وصفاته الاساسية التي توحده مع ذاته وتميزه عن باقي البشر. صحيح  ان الزمن والعمر والتجارب تضيف وتحذف الكثير من ناحية شكل ومحتوى الفرد، لكن مع هذا فأن هنالك شخصية واحدة مستمرة ودائمة في ذلك الفرد تجعله يحس بأنه (انا) واحدة ودائمة ومتميزة عن جميع البشر. الانسان مهما تغير فأن (بصماته) التي تميزه وتخلق فرديته، مستمرة ولن تتغير. على اساس هذه الشخصية الموحدة والمستمرة رغم المتغيرات يتميز كل انسان وتتكون صورته لدى الآخرين.

  ان لكل شيء صفات اولية مستمرة وكذلك صفات ثانوية متغيرة. مثلا كل انسان يحس مثل الجميع بحالة الجوع التي تدفعه لتناول الغذاء، لكن كل فرد يختلف عن الآخرين بكمية الغذاء ونوعيته الذي يتناوله حسب ظروفه ورغباته الخاص به.

 بهذا فأن مفهوم (الهوية) واسع وشامل لكل الخصوصيات، فردا او مجموعة. ان هوية الشيء تعني ( ماهيته) وشخصيته "الموحدة" و"الدائمة" التي تميزه عن باقي الهويات التي يتكون منها الوجود بكل معانيه.

 

 

مقالات في الهوية :

 (2 ـ 6)    مكونات الهوية الوطنية

ان موضوع الهوية الوطنية يفرض اسئلة كثيرة من اهمها: اين تكمن حدود الهوية .. هل ارض الوطن كافية وحدها لتشكيل (بدن) الهوية؟ ماذا نعتبر الهويات المحلية الدينية واللغوية والمناطقية، ثم ايضا الهويات المعتقدية والحزبية ذات الأبعاد ما فوق الوطنية مثل الحركات الأممية والدينية والقومية التي تتجاوز حدود الاوطان وقوانين الدول وتخلق نوعا من التضامن والتوحد بين الافراد يدفع احيانا الى اندلاع الحروب بين الشعب الواحد وحتى تقسيم الاوطان على اساس ديني او لغوي او ربما حزبي!

إذا كان بدن الانسان  يشكل الوعاء المادي الذي يستوعب هويته وشخصيته الفردية، فأن لكل جماعة انسانية لها ايضا "بدنها" المشترك الذي يشكل الوعاء المادي الذي يستوعب هويتها الجماعية. ان هوية الجماعة الدينية او الحزبية او الثقافية او الرياضية تكمن في مؤسساتها وشبكاتها الترابطية الدينية او الحزبية. وان هوية الجماعة المهنية تكمن في مؤسساتها وتقاليدها ومصالحها المهنية. وعلى هذا المنوال يمكن الحديث عن كل الجماعات التي ينتمي افرادها الى "بدن" ديني او حزبي او مهني او رياضي ..الخ.

اذا صح الحديث عن"هوية جنسية" تميز الذكور عن الاناث، فأن هذه الهوية تكمن اساسا في الجسد نفسه، ولكن بمعناه التجريدي العام، والذي عبره يتم تقسيم البشر الى اناث وذكور. حول الإنقسام البدني يتشكل الإنقسام الروحي وما يعنيه من مفاهيم وسلوكيات وظروف اجتماعية واخلاقية وحتى قانونية تعمل كلها على تأكيد التمايز بين الجنسين وتشكيل هوية كل منهما.

ان هذا الإنقسام بين الجنسين مهما تنوع بين جماعة واخرى وبين زمن وآخر، الا انه يظل يتميز بالشمولية المكانية والزمانية. الرجل عبر كل الازمان والأماكن، ظل (رجلا) يحمل نفس الصفات الذكورية التي تميزه عن النساء. ان رجل العصر الحجري مهما اختلف عن رجل العصر الحالي، من النواحي العقلية والنفسية والحضارية فأنه يظل يحمل ما يكفي من الصفات البدنية والنفسية الاساسية التي تجعله يشترك بالصفات الذكورية الأساسية مع رجال العصر الحالي وجميع العصور.

نفس الشيء يصح قوله عن اية هوية اخرى، لتكن مهنية مثلا. الفلاح الصيني، مهما تميز ثقافيا ووطنيا ونفسيا عن فلاحي الأوطان الأخرى، فأنه يحمل ما يكفي من الصفات (المهنية) المشتركة معهم بما يسمح بتسميته بـ( فلاح ): العلاقة المباشرة بالأرض والنبات والمناخ والفضاء الواسع والبعد عن زحام المدينة وتعقيداتها، وغيرها من الظروف الفلاحية الخاصة، التي لا بد ان تخلق ميولا نفسية وثقافية وسلوكية مشتركة وعامة بين جميع الفلاحين في كل مكان وزمان. طبعا مع وجود التمايزات التفصيلية..

 

ارض الوطن هي بدن الهوية

 اذا كان هنالك لكل هوية "بدن" يشكلها ويستوعبها ويعبر عنها، فان "بدن" الهوية الوطنية هي "ارض الوطن". مثلما بدن الانسان يتكون من خلايا  تتجدد عبر موت بعضها وميلاد بعضها الآخر، كذلك خلايا الوطن هي افراد الشعب الذين يتجددون اجيالا بعد اجيال عبر سرمدية الموت والميلاد. مثلما "الهوية الفردية" واحدة ومستمرة مهما تجددت خلايا البدن وتنوعت المكونات واختلفت الشخصيات الداخلية وتناقضت ميولها وافكارها، فأن "الهوية الوطنية" كذلك واحدة ومستمرة مهما تجددت الأجيال وتنوعت المكونات واختلفت "الهويات الداخلية".

ان اية هوية وطنية هي حصيلة جمع نوعين من الهويات الداخلية، اولها الهويات الفردية، وثانيها الهويات المحلية. من الخطأ التنكر لجميع انواع الهوية، ولكن هذا لا يمنع من الاعتراف بأن (الهوية الوطنية) هي اقوى انواع الهويات الجماعية، الدينية اللغوية والحزبية وغيرها. ان جميع الهويات الثانوية والمحلية تحتوي عادة على عامل واحد او بضعة عوامل غير ثابتة تابعة خصوصا لإرادة المجموعة نفسها، من اهمها العامل العاطفي والثقافي والمعتقدي، بينما الهوية الوطنية تجمع كل العوامل المادية والمعنوية.

 

الهويات الفردية

مثلما الفرد الانساني بكل اعضائه واقسامه يتكون من خلايا متميزة متفردة، كذالك  اية مجموعة انسانية تتكون من افراد متميزين متفردين. ان اية هوية جماعية مهما كانت ومهما توحدت وتصلبت فأنها بالنتيجة تتكون من افراد. ان أي انسان تتكون شخصيته من لونين ممتزجين، احدهما "لونه الفردي" الخاص به أي بصماته التي لا تشبه أي بصمات ولا أي  لون ، ثم "اللون الجماعي" المكتسب من الحياة والميراث والمؤثرات الاجتماعية المعاشة. لو اردنا تشبيه الأمر فأن أي مجتمع اشبه باللوحة المتكونة من العديد من الخلايا الصغيرة، وكل خلية في الاصل لها لونها الخاص بها، لكن هنالك فوق الجميع ثمة لون واحد شفاف يوحد اللوحة ويسمح بنفس الوقت بتمييز الوان الخلايا.

أي مجتمع يتميز بلون شكلي وخلقي ونفسي وفكري موحد، لكنه في التفصيل يتكون من افراد لكل منهم لونه وبصماته الخاصة. فمثلا كل امريكي له شخصيته التي تميزه عن باقي الأمريكيين، ولكن بنفس الوقت لابد انه يمتلك صفات عامة شكلية وبدنية وصوتية وعقلية ونفسية تجمعه مع باقي الأمريكيين وتميزه عن افراد الشعوب الأخرى. فلو اخذنا مثلا العامل الميزة اللغوية، فأن لكل فرد طريقته الخاصة بالكلام وصوته المتميز واسلوبه ولكنته الشخصية، ولكن هذا لا يمنع من ملاحظة ان جميع افراد مدينة او قرية او وطن يجتمعون بلكنة مشتركة وطريقة كلام وصوت واسلوب ومفردات وتعبيرات تميزهم عن باقي الجماعات.

 

الهويات المحلية

    ان أي شعب في العالم مهما كان موحدا لغويا ودينيا، فأنه في كل الاحوال متنوع من ناحية الانقسام الجنسي والعائلي والاجيالي والمناطقي والمهني والطبقي والسياسي والفكري.

الهوية الوطنية مهما كانت متوحدة وصلبة فأنها لا بد ان تتشكل من العديد من الهويات المحلية المتنوعة : مناطقية ولغوية ودينية ومذهبية.. ولك كل هذه الهويات مهما تنوعت وتمايزت فأنها من المروض ان تجتمع بصفات روحية وعقلية ومعتقدية ومصلحية مشتركية تجعلها تشكل هوية وطنية كبرى.

بالنسبة لإشكالية الهويات الصغرى وعلاقتها بالهوية الوطنية الكبرى، هنالك ميلين متناقضين:

ـ الميل الذي يرفض الإعتراف بها ويعتبرها نقيضة للهوية الوطنية ويجب التنكر لها وقمعها.

ـ الميل الذي يبالغ بوجودها ويؤكد على تمايزها وحتى انفصالها عن باقي الهويات المحلية التي تتشكل منها هوية الوطن.  

حسب ادارك النخب الوطنية الفعالة وتعاملها فأن هذه الهويات المحلية قد تكون عامل اثراء وتطوير كما يحصل عادة في الحقب الحضارية الكبرى، او قد تكون عامل انقسام وتناحر واضعاف كما يحصل في حقب الإنحطاط والإنتكاسات.

 من المفروض انه مهما تنوعت هذه الفئات المحلية واختلفت وتناقضت مع بعضها البعض فأنها، شائت ام ابت، إن كانت حقا لأرض وتاريخ مشترك، لا بد ان تجتمع بقواسم ثقافية ونفسية وفكرية وسياسية ومصلحية تجمعها وتوحدها في هوية وطنية مشتركة تميزها عن هويات الشعوب الاخرى.

     أن أي وطن يحتوي على عوامل مناخ وبيئة وطبيعة ومحيط ومؤسسات دولة، لها تأثير اعمق واطول على تكوين الانسان اكثر بكثير من الروابط العاطفية الدينية او الحزبية اواللغوية وغيرها.

ان الارمني اللبناني مهما تشابه لغويا وتعاطف تاريخيا مع الارمني في ارمينيا او في باقي العالم، فأنه نفسيا وثقافيا وسياسيا ومصلحيا يبقى اقرب الى اللبناني المسلم او المسيحي.

ان الاجنبي المقيم في غير بلده، مهما قرر التمسك  ببلده الاصلي، فأنه لابد ان يتعرض يوميا وفي كل لحظة من تواجده لما يحصى من المؤثرات المناخية والجيولجية والثقافية والاجتماعية والنفسية التي تشده الى المجتمع الذي يقيم فيه وتميزه عن مجتمعه الاصلي. يكفي للتدليل على هذا معاينة الاشخاص المقيمين خارج بلدانهم. انهم مع الزمن، ومهما تمسكوا آيدلوجيا او دينيا، تراهم يكتسبون عادات البلد المضيف بقدرما يفقدون عادات بلدهم الاصلي. كلما مر الزمن وتعاقبت الاجيال قلت الصفات الوطنية الاصلية وحلت محلها الصفات الوطنية الجديدة.

إذا حصل ان فئة وطنية معينة فضلت الارتباط بالفئات الخارجية الشبيهة بها على حساب الارتباط بالفئات الوطنية، فأن هذا يدل على وجود ازمة وطنية شاملة. مثلا، أن المجموعة المسلمة الفرنسية عندما تشعر بغربتها عن المجتمع الفرنسي وارتباطها الاقوى مع  مسلمي العالم، فأن هذا دليل على عدم حصولها على مكانتها الطبيعية التي تستحقها اجتماعيا وسياسيا. ان الزمن وإرادة النخب الفاعلة وسياسة الدولة، توفر الشروط الحاسمة لتجانس خصوصيات الجماعات الوطنية المختلفة وخلق القواسم المشتر