سليم
مطر ، جنيف 1998
من
اجل كتابة وطنية انسانية لتاريخنا الديني:
الميراث العراقي
الشامي في الأديان التوحيدية
من بين
التشويهات الكبرى التي تعرض لها تاريخ البلدان الشرقمتوسطية (العربية) ، هي كتابة
التاريخ الديني من وجهة نظر توراتية عرقية تفصل تماما بين الاديان السماوية
(اليهودية والمسيحية والاسلام) والميراث الديني السابق الذي كان سائدا في اوطاننا
خلال آلاف الاعوام. ثمة اتفاق غير معلن بين العلمانيين والمتدينين على تجاهل حقيقة
التاريخ الديني المتواصل والمشترك بين جميع ادياننا. ان عدم ادراك هذه الحقيقة كان
مدفوعا بغايات آيدلوجية استعمارية من قبل المؤسسات الاستشراقية والصهيونية من اجل
تقسيم شعوب المنطقة الى جماعات دينية وطائفية متصارعة ومتنافسة لأنها تجهل القاسم التاريخ
والروحي المشترك بين معتقداتها. يكفينا مثال الحركة الصهيونية كأكبر دليل على
النجاح في اصطناع (امة ودولة) بالاعتماد على تضخيم الخصوصية اليهودية وفصلها تماما
عن تاريخ وحضارة المنطقة.
ان هذا الجهل
بحقيقة الميراث المشترك بين أدياننا ومذاهبنا ادى الى تعميق الخلاف، ليس بين ابناء
هذه المعتقدات، بل خصوصا بين التيارين (العلماني والديني). لقد تجاهل العلمانيون
حقيقة العمق الحضاري التاريخي لوجود الاديان في منطقتنا، بسبب اعتمادهم السطحي على
التحليل (العلمي المادي)، حيث ساد الإعتقاد بأن ادياننا ومذاهبنا امور تاريخية مؤقتة
وطارئة يكفي تجاهلها واحتقارها حتى يتم الغائها وتناسيها!!
ثمة سؤال منطقي يطرح نفسه: هل يمكن
الحديث عن اية فكرة او دين او معتقد من دون الحديث عن طبيعة الزمان والمكان التي
نشأت فيه؟ فهل يمكن مثلا فصل تاريخ نشوء الهندوسية عن طبيعة الهند وتاريخها
وميراثاتها السابقة للهندوسية . نفس الشيء بالنسبة للتاوية الصينية او البوذية ،
وغيرها من الاديان . فكيف حصل انه
تم فصل الاديان السماوية عن ميراثات منطقتنا التي نشأت فيها؟ بل الانكى من هذا، تم
إعتبار الديانة اليهودية هي الاساس الذي انبثقت منه باقي الاديان، واعتبار كل
الميراثات الدينية الشامية والعراقية والمصرية، مشركة ووثنية وميتة ولم تشكل أي
اساس في الاديان السماوية .. وهذا يعني بكل بساطة ان تراثنا الديني والروحي الحالي
ليس له أي علاقة بميراثتنا الوطنية الاصلية.
منذ القرن
الماضي قد بدأ المؤرخون الغربيون يعيدون النظر تماما بالميراث اليهودي وحكاياته
الاسطورية التي لم يتم العثور لها حتى الآن على اية اشارة او دليل بين هذا الكم
الهائل من المكتشفات الآثارية للحضارات العراقية والشامية والمصرية. النتيجة
المعقولة التي تم شبه الاتفاق عليها حتى من قبل علماء اسرائيل، ان حكايات التورات
عن ممالك اليهود وملوكهم وانبيائهم ومغامراتهم الخارقة، ماهي الا حكايات شعبية تم
توارثها وتضخيمها من جيل الى آخر، كما يحدث لكل اساطير الشعوب. لنا على هذا نماذج
السير الشعبية العربية مثل عنتر بن شداد والزير سالم والضاهر بيبرس، وغيرها. لكن
ميزة اساطير التورات ان اليهود استطاعوا ان يضفوا عليها القدسية من خلال مزجها مع الاساطير
الدينية العراقية اثناء كتابتهم للتورات في بابل.
رغم هذه
الحقيقة التي باتت معروفة منذ اوائل هذا القرن، والتي تبناها حتى يهود معروفين مثل
عالم النفس (فرويد) في كتابه الشهير
(موسى والتوحيد)، الا انه حتى الآن لم يتم تبنيها وتطويرها من قبل الناطقين
بالعربية بسبب الموانع القومية والسلفية. صحيح ان هنالك الكثير مما ترجم وكتب عن
الاديان المصرية والشامية والعراقية، الا ان الحديث عن العلاقة بين تلك الأديان الاولى
والاديان السماوية، ظلت محدودة وحتى مقموعة. منذ اواخر السبعينات بدأت تظهر بعض المحاولات
الجادة الجريئة في هذا المجال، الا انه حتى الآن لا زالت محاولات محدودة لم تأخذ
طابعها السائد والمعروف بين المثقفين وعموم المتعلمين.
ان أي معتقد
لا يمكنه ان ينبثق ويتطور ويستمر الا لأنه يلبي حاجة روحية تاريخية للمجتمع الذي
ينبثق فيه وكذلك المجتمعات التي ينتشر فيها. وعندما تتغير ظروف المجتمع وتختلف
حاجته فأن ذلك المعتقد اما ان يبقى متحجرا فيضمر ويموت كما حدث لكثير من الاديان
والمعتقدات في التاريخ وآخرها الشيوعية، او انه يمتلك ديناميكية خاصة تساعده على
التقولب حسب الظروف والحاجات الجديدة، كما هو حال الاديان الكبرى الشائعة حاليا في
العالم منذ قرون عديدة ، مثل الاسلام والمسيحية والبوذية والهندوسية وغيرها ،
والتي تعيش ازمات داخلية مستمرة لكي تواكب متغيرات الحياة السريعة والعاصفة.
على هذا الأساس يمكننا دراسة التاريخ
الديني للعالم العربي (الشرقمتوسطي) وبأديانه السماوية المعروفة(اليهودية
والمسيحية والإسلام) بكل تنوعاتها المذهبية والفقهية. يمكن تقسيم التاريخ الديني
لمنطقتنا الى مرحلتين متداخلتين:المرحلة الوثنية التعددية ، المرحلة العرفانية
التوحيدي.
الثنائية التوحيدية
ان الميراث
الديني العراقي الشامي( بالإضافة الى الميراث المصري، كما سنبين فيما بعد) هو
الأساس الذي إنبثقت منه الأديان السماوية. ان ميراث هذه المنطقة مشترك ومتشابه الى
حد بعيد بسبب التشابه الحضاري واللغوي منذ فجر التاريخ، والمتأتي من التداخل
الجغرافي بين العراق والشام حتى انهما شكلا منطقة شبه موحدة اطلق عليها فيما بعد
تسمية (الهلال الخصيب) ، ونحن نفضل تسمية (منطقة المشرق).
ان تعدد اسماء
الآلهة ووجود الاصنام في ديانة المشرق، برر الاعتقاد السائد بأنها ديانة (وثنية
تعددية) . لكنها بحقيقتها العميقة ليست بهذه الدرجة من الوثنية والتعددية. ان هذه
المرحلة تحمل الكثير من الملامح الأساسية التي شكلت فيما بعد المرحلة العرفانية
(التوحيدية) التالية. ليست بالصدفة ابدا ان المعتقدات (السماوية التوحيدية) نشأت في
منطقتنا وليس في الهند مثلا او الصين او اوربا. لأن هذه الديانة التوحيدية ما كانت
تنبثق الا بعد أن هيأت لها المرحلة الدينية (الوثنية) السابقة التي كانت سائدة .
ان ما سميت
بالديانة الوثنية هي اقرب الى المعتقد (الحلولي) الذي يؤمن بأن (روح الأله) تحل
وتدخل في كل مكونات الوجود، كما يسري غذاء الشجرة من الجذور والجذع الى الاغصان
والاوراق. مثلما كل ورقة هي جزء من الشجرة، كذلك البشر والطبيعة كل منها تمثل جزءا
من الأله الخالق الكلي. وما اسماء الآلهة الا اسماء اغصان شجرة الوجود هذه . ويمكن
وصف هذه الديانة بأنها اقرب الى(الثنائية التوحيدية)، أي وجود الأيمان بوجود قوتين
مختلفتين متكاملتين يشتركان بغاية الهية واحدة:
اولاـ
ثنائية ( المادة والروح ) :
ينقسم الوجود
الى الطبيعة المادية المرئية المحسوسة المتمثلة بالارض بما فيها من بيئة وحيوان وإنسان،
ثم الروح الألهية الكلية القدرة والمسؤولة عن منح الحياة لتلك الطبيعة المادية. ان
كل شيء مادي في الوجود له روحه الالهية الخالدة المسؤولة عنه التي تمنحه طاقة
الحياة . بما ان الوجود المادي متنوع ويتكون مما لايحصى من الاشياء المختلفة
القيمة والحجم والفائدة والذكاء فأن الوجود الروحي الالهي هو الآخر منقسم الى نفس
التنوع . أي ان مملكة الانسان على الارض مماثلة لمملكة الآلهة في السماء . لهذا
فأنه في الأساطير العراقية يكثر الحديث عن (مجمع الآلهة) الذي تسود بين اعضائه
نوعا من (الديمقراطية التقليدية) حيث تسيطر النخبة على الأغلبية الضعيفة ثم يسيطر
الاله الكلي على النخبة. مثلما في مملكة الانسان، هنالك (الملك الكلي) وحوله الكثير
من المراتب والدرجات والوظائف من وزارء وإمراء وحكماء وقضاة ومحاربين وجلادين،
كذلك في ملكوت السماء (الاله الكلي) الذي سماه السومريون (ايا او انليل ) وسماه
الساميون عموما (ايل ، ايليا ) بمعنى (العالي) ومنه مشتقات (علي ، اله ، الله).
هنالك ايضا ( آلهة ) تابعة عديدة لا تحصى لكل منها اختصاصه ومسؤوليته عن مظاهر
الحياة الكبيرة والصغيرة ، من الذكورة والانوثة والموت والنور والضجروالفرح وغيرها
وغيرها. هذه الصورة تشبه كثيرا ما هو معروف في الاديان التوحيدية حيث هنالك الرب
الجليل الاعلى ومعه الملائكة المتنوعي المراتب والاختصاصات ، مثل جبرائيل حامل الوصايا
والرسائل وعزرائيل قابض الارواح ، وعدد هائل من الملائكة والانبياء والقديسين لكل
منهم له اهميته وتأثيره على الطبيعة وعلى الانسان. لكي تتضح حقيقة تلك الاديان
القديمة يمكننا ان نستبدل تسمية (اله) بتسمية روح او ملاك او نبي او قديس او إمام
شفيع.
كثيرا ما يميل
بعض المؤرخين الى اطلاق تسمية (عبادة الكواكب) على هذه الديانة المشرقية ، بسبب التأكيد
على دور الكواكب (الآلهة) في هذه الديانة. والحقيقة أنه بسبب علاقة سكان الهلال
الخصيب المباشرة مع السماء حيث لا زال الناس حتى الآن ينامون تحت السماء في معظم
ليالي السنة. هذا الاتصال اليومي مع السماء خلق متابعة ومعرفة تفصيلة بالكواكب
والنجوم . لقد برع العراقيون خصوصا
في علم الفلك وحساباته الدقيقة، ورصدوا تحركات الكواكب السبعة المعروفة حينذك :
الشمس والقمر وعطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل . لقد لاحظوا ان هذه الكواكب
لها تأثير على نشاطات الطبيعة والانسان، منها مثلا علاقة القمر بظاهرة المد والجزر
وتنوع النباتات وكذلك العادة الشهرية لدى المرأة. على هذا الاساس فأنهم اعتبروا
هذه الكواكب تجليات الهية تساهم بالتحكم بالطبيعة والانسان، أي أن هنالك نوعا من
النظام الكوني الذي يجعل كل شيء في الكون يؤثر في باقي الاشياء ويتأثر بها. لقد
اطلق العلم الحديث على هذا النظام تسمية (الساعة الفلكية).
اعتبر القدماء
كل كوكب يمثل قوى الهية معينة، مثلا الشمس (الاله شمش) يمثل قوة النور والحق والعدالة،
فهو مثلا الذي منح (حمورابي) شريعته. اما كوكب الزهرة فهي الالهة (عشتار) نجمة
الصباح والخصوبة والأنوثة. اما القمر (سين) فهو اله المشاعر والحدس والتأثيرات
السحرية .. الخ . على هذا الأساس تم تقسيم الأسبوع الى سبعة ايام ، حيث يمثل كل
يوم احد الكواكب.
بناء على
المراقبة الطويلة قسموا السنة الى 12 شهر، وكل شهر يسيطر
فيه كوكب معين مع مجموعة نجوم تؤثر في الاحداث وفي مواليد ذلك الشهر. من هذا نشأ
علم التنجيم ونظام الابراج الشخصية، الذي يشكل جزءا اساسيا من ديانة اهل العراق
وكذلك الشام . لقد شاع علم الأبراج فيما بعد في مصر ثم في ايران والهند وفي باقي
العالم. لا زال حتى الآن تقديس الكواكب السبعة والابراج الأثني عشر واضحا في
الكثير من المذاهب الأسلامية مثل الأسماعيلية والدرزية والعلوية، بالاضافة الى
الصابئية واليزيدية...
ثانياـ
ثنائية (الأنوثة والذكورة):
رغم هذا
التعدد الكبير في اسماء الآله والفوضى التي توحي بها الأساطير المتداولة عن تلك الاديان
ان جوهر الديانة المشرقية
يتلخص بكلمة واحدة هي ((الإخصاب)). بمعنى ان الوجود بأكمله يتكون من طرفين او
طاقتين او جوهرين متكاملين هما : روح الانوثة الممثلة بالألهة المعروفة (عشتار ـ
أي العشيرة والوفيرة والكثيرة) التي سميت ارنينا بالسومري وعزة بالعربي. ثم روح
الذكورة الممثلة بالاله (تموز ـ أي ابن المياه وجالبها باللغة السومرية) وتناوبت
عليه اسماء عدة مثل نبو وحدد، وفي الشام
ساد اسمه (بعل). ان الحياة لا تنبثق الا بإتحاد هذين الطرفين من خلال عملية
الأخصاب. الاسطورة العراقية تحدثنا عن ثور الهي يقف في اعالي النهر وتتدفق منه
سوائل الخصب في الارض كما تدفق سوائل الذكر في انثاه ! إذن فأن فعل (الاخصاب) ليس فعلا جنسيا ثانويا مثل كل افعال
الطبيعة الاخرى، بل هو الفعل الأساسي والأول الذي منه تنبثق الحياة بكل اشكالها
النباتية والحيوانية والانسانية. انه نقيض فعل الموت والقحط والجفاف. حسب هذه
المعتقد أن الارض بكل مكوناتها الطبيعية والحيوانية هي مركز الانوثة، وان السماء
هي مركز الذكورة. لكي تتخصب الحياة على الارض يتوجب على السماء ان تبعث لها طاقتها
الذكورية المتمثلة بمياه الامطار والانهار وما يصاحبها من بروق ورعود ورياح وانوار.
لهذا فأن اله الكون الاكبر (ايل ـ الله) يبعث في مطلع كل ربيع ابنه او ملاكه او
تجليه (تموز) ليخصب (عشتار) لكي تستمر الحياة بدورتها. على هذا الأساس تم اعتبار
مطلع الربيع (اول نيسان، نيشان بالاكدي أي العلامة، حيث تظهر علامات الخصب) بداية
السنة الجديدة ومولد أول الأبراج(الحمل).
هنالك التباس
معروف لدى الباحثين حول طبيعة عشتار ، فهي تارة الهة حب وخصب، وتارة اخرى هي الهة
حرب ودمار؟ السبب الحقيقي يعود الى ان عشتار تبحث عن خصب الذكورة ليس في المياه
وحدها بل خصوصا في الدماء التي هي جوهر الحياة وحاملة روح الاخصاب. لهذا فأن
(حمورابي) يصفها في شريعته : ((سيدة المعارك والحروب .. تجندل المحاربين وتسقي
الارض بدمائهم .. )) . ان المرأة تتخصب بعد نزف دماء الحيض، وعندما تلد كذلك تنزف
الدم ، وهذا الواقع منح لرمز الدم هذا الدور الاخصابي. من هنا اتت عادة تقديم
القرابين (كبش الفداء ) الذي لا زال شائعا في الاديان التوحيدية.
لقد لاحظ المشارقة انه وسط الصيف واشتداد الحرارة
تنقطع الامطار وتجف الانهار وتتيبس النباتات ويخيم شبح القحط على الحياة. عللوا
ذلك بموت اله الذكورة تموز بعد تلقيه طعنة من خنزير بري وابتلاعه من قبل آلهة
القحط والموت (ارشيكغال) في اعماق ظلمات الارض. لهذا السبب اطلقوا تسمية (تموز)
على هذا الشهر اللهاب. وتتكرر دورة الحياة والموت، الاخصاب والجفاف، هذه كل عام .
ان الانسان عنصر فعال في عملية الاخصاب هذه، لأنه بتناسله وزراعته وتدجينه للحيوانات
يشارك الاله سلطته الاخصابية. يستمر الناس طيلة العام بتقديس الالهة عشتار وتقديم
القرابين لها والصلوات للأله الاكبر (ايل) من اجل ان تهبط عشتار الى الأعماق وتنقذ
تموز وتعيده من جديد الى الارض ليخصبها في مطلع الربيع.
إذن ، من بين
كل العدد الهائل من اسماء الآلهة المشرقية، يمكن تمييز ثلاثة اسماء كبرى فاعلة
وحاسمة في الوجود : (ايل) رب السماء والاله الاكبر والحاكم الكلي، ثم (تموز او
بعل) رسول السماء واله الذكورة ومخصب الحياة ، ثم (عشتار) الهة الانوثة والامومة
والطبيعة والحياة والمشاعر. ان هذا الثلاثي الالهي نجده في كل ديانات الهلال
الخصيب، مع اختلاف الاسماء ، حسب اختلاف المناطق والدول والسلالات. بل حتى في مصر
التي كانت حضارتها متداخلة الى حد بعيد مع حضارة الكنعانيين خصوصا ثم العراقيين،
فأنها في القرون الأخيرة قد كونت ثلاثيها الالهي : جب (الاب ) واوزيريس (الابن)
وايزيس (اخته وزوجته).
ان ثنائيتي
(الروح والمادة ) و(الأنوثة والذكورة) المتكامليتن ، تتحكم بهما ثنائية تناقضية
كبرى وحاسمة ، هي ثنائية (الخير والشر) او(النور والضلمة)، لكن هذه الثنائية
التاقضية تتركز حول ثنائية(الاخصاب الحياة ـ الجفاف الموت). هنالك قوى الخير
والخصب التي ذكرناها اعلاه ولكن ايضا هناك قوى الموت والشر التي تتمثل بأسماء مثل
(ارشيكغال وموت ) آلهة العالم السفلي. كذلك فأن الموتى غير المدفونين بشكل لائق
والذين لم يتم بأسمهم تقديم العطاءات للفقراء ، فأن ارواحهم تتحول الى شريرة وتؤذي
الاحياء، ومنهم شاعت معتقدات (الجن) وكذلك (الطناطنل في العراقي).
الميراث
المصري والمرحلة العرفانية التوحيدية
ان منطقة(شرق المتوسط) (العالم
السامي الحامي) أي ما نسميه حاليا(العالم العربي)، قد بدأت تفقد قواها الحضارية
والعسكرية والسياسية امام الزخم الهائل لإجتياحات الشعوب الرعوية الآرية (بدو
آسيا)
. منذ الألف الثاني ق.م بدأت هذه القبائل الرعوية الجامحة تخرج من مناطقها
في اواسط آسيا مستخدمة اخطر آلة حربية لم تعرف من قبل:(الحصان)!! بعد الف عام من
الكفاح والغزوات والإجتياحات تمكنت هذه الشعوب اليافعة ان تفرض وجودها وسلطانها في
المناطق المجاورة للمشرق الشامي العراقي: ايران والقفقاس والأناضول، وكذلك في
مناطق الساحل الغربي من البحر المتوسط أي في اوربا : الاغريق ثم الرومان.
منذ الألف
الاول ق.م بدأ العراق يفقد قدرته على الصمود ازاء ضغوطات هؤلاء الرعاة المحاربين،
الميديين من الشرق والأرمن والأناضوليين من الشمال، مدعومين بالحصان آلتهم
الفعالة! ان الذي زاد بالطين بلة انه في نفس هذه الحقبة بدأت القبائل البدوية في
بادية الشام والجزيرة العربية تستخدم الجمل كآلة حربية صحراوية جبارة تساعد على
التنقل والغزو.(لأول مرة يتم ذكر اسم العرب في التاريخ ، كان في الوثائق الآشورية
في القرن الثامن ق.م مع ذكر الجمل معهم)!!
كل هذه الضغوطات مع ظروف البيئة وغدر
النهرين وطوفانتهما المدمرة وما تسببة من خراب وطواعين ، ادت الى انهاك الدولة
والمجتمع وتفاقم الانحطاط الحضاري والروحي وانتشار الانقسامات والصراعات الداخلية:
السلالة الشمالية الآشورية ضد السلالة الجنوبية الكلدانية ، وحروب اقليمية مدمرة :
اجتياحات العراقيون للشام ثم لمصر. حتى انتهى هذا الأنحدار والأنحطاط بالسقوط التام
لجميع الدول الوطنية في المنطقة ابتداءا من القرن السادس ق.م: العراق والشام ومصر
، وآخرها الدولة القرطاجية في شمال افريقيا.
لقد تمكنت
القوى الآرية الجديدة (ايرانية ويونانية ثم رومانية وبعدها بيزنطية) ان تفرض
سيطرتها التامة خلال اكثر من الف عام، حتى الفتح الأسلامي في القرن السابع. يمكن
تشبيه هذه الحقبة بأواخر الدولة العباسية حيث بدأ الأنحطاط بحروب داخلية وانقسامات
اقليمية وتغلغل آسيوي(تركستاني وايراني) وكذلك اوربي صليبي، وانتهت بالإجتياح
المغولي ثم السيطرة العثمانية على كامل المنطقة لعدة قرون.
مع هذا الانحطاط الحضاري والروحي ثم
السقوط السياسي العسكري والخضوع لهؤلاء الغزاة الجدد، دخلت المنطقة تيارات فكرية
دينية جديدة: ايرانية وهندية واغريقية ورومانية، امتزجت كلها وذابت في ديانة الخصب
والكواكب الأصلية لتنبثق منها ديانة جديدة فيها الكثير من الروحانيات الآسيوية والمنطق
الاغريقي الروماني مع جوهر ديانة الخصب والكواكب الاصلية.
من الصعب
الحديث عن المشرق العراقي الشامي من دون الحديث عن مصر. صحيح ان التفاعل الحضاري
بين العراق والشام كان من القوة بحيث انه خلق طيلة التاريخ شبه وحدة حضارية روحية
لغوية رغم الفوارق السياسية، الا ان مصر كان لها دائما حضورا سياسيا وعسكريا مهما
في الشام. كذلك ان الهجرات الشامية الى مصر لم تتوقف طيلة التاريخ، حتى يصح القول
بأن اغلب سكان مصر من الناحية العرقية ماهم الا مزيج من العنصرين، السامي(الشامي
ثم العربي) والحامي(السوداني والليبي).
ان منطقة
الشام لعبت دائما مركز استقطاب وصهر للحضارتين العراقية والمصرية، بحكم الموقع
الوسطي للشام بين هذين البلدين. من اكبر الأمثلة ، اكتشاف الابجدية من قبل
الشاميين (الالف الأول ق.م) من خلال الجمع الأبداعي للكتابتين المسمارية
والهيروغلوفية. مع الزمن اخذ دور الشاميين الوسطي الجامع يمارس تأثيره من كل
النواحي، وخصوصا من الناحية الروحية الدينية. أي من خلال الجمع التلقائي الطبيعي
بين الديانتين العراقية والمصرية ، لتنتج (العرفانية التوحيدية) التي انبثقت منها
المسيحية ثم الأسلام.
منذ القرن الثالث ق.م بدأ (الشرقمتوسطيون)
يستعيدون توازنهم بالتدريج بعد النكسة التاريخية الخطيرة. امام ضعفهم العسكري السياسي
وشعورهم بالقدرية ازاء جبروت الأحتلال الاجنبي، بدأوا يعوضون عن خضوعهم بتنمية
قواهم الروحية والثقافية. مراكز حضارية شرقمتوسطية عديدة راحت تنبثق هنا وهناك :
الاسكندرية على الساحل المصري ، وانطاكيا على الساحل السوري ، والرها ونصيبين في
شمال الرافدين. كان الشاميون هم الأكثر نشاطا وقدرة ابداعية بحكم موقعهم الجغرافي
الساحلي وتمرسهم منذ القدم على التجارة والتنقل والتغلغل في كل شواطى البحر
المتوسط ، حتى انتشرت الجاليات السورية في كل مكان وبرزت العناصر الشامية في روما
في جميع المجالات الثقافية والعسكرية والدينية.
ان العرفانية
هذه التي انبثقت في المنطقة، ماهي الا حصيلة التقاء وانصهار دام قرون بين
الديانتين المصرية والعراقية في ارض الشام. بالحقيقة ، وكما بينا سابقا، ان
الديانة العراقية عموما لم تهتم كثيرا بالحياة الأخرى بل ركزت على دور الآلهة
العليا في قيادة الحياة المادية وخلق الخير والخصب والوفرة للبشر في هذه الحياة .
حتى خلود الانسان لم يتم حياة اخرى مفترضة بل نفس الحياة الحالية من خلال الأسهام
بعمل الخير وخلق خصب الحياة بالزواج
وانجاب ألأبناء وتشييد الصروح الكبرى ..الخ. ان اسطورة كلكامش التي
تعتبر(الكتاب المقدس) للعراقيين وعموم المشارقة خلال عدة آلاف من السنين ، قد
اختصرت هذا الأيمان بالعبارات التالية:
(( لقد قدرت
الآلهة الفناء للإنسان .. واستأثرت بخلود الحياة .. فإملأ بطنك بملذات الطعام ..
وإبتهج ما شئت ليل نهار .. فهذا هو نصيبنا من الدنيا )) .
يمكن القول ان
الديانة العراقية( والشامية) تقريبا ديانة(دهرية دنيوية) متشائمة جدا إزاء مصير الأنسان
ما بعد موته: عالم الظلمات والفناء وما تحت الارض حيث تقطن الآلهة الشريرة. ثمة
اشارات غير واضحة عن امكانية تحول بعض البشر النادرين الى نجوم خالدة تضيء الكون.
بينما الديانة المصرية فهي تكاد ان تكون العكس. انها ديانة تؤكد كثيرا على الخلود
في الحياة الأخرى ووجود عالم (يشبه الجنة) لا يدخله البشر الا بعد الحساب و(كيل
اعمالهم في ميزان). لهذا فأن علاقة المصري مع الموت والمقابر ظلت حتى الآن اقل
مقتا ورعبا، ولهذا ايضا لعبت الأهرام دورا كبيرا في هذه الحضارة من اجل اقامة
الملوك بانتظار يوم الحساب!
على هذا الأساس يتبين الخطأ الكبير الذي وقع
فيه معظم مؤرخي اليهودية ، عندما اعتقدوا انها متأثرة بالديانة المصرية، اعتمادا
على ادعاءات التوراة نفسها بأن المؤسس الأسطوري الأول لليهودية (موسى) قد عاش في
مصر.
والحقيقة ان اليهودية(التوراتية) خالية تماما من جوهر الديانة المصرية : (الإيمان بالحياة
الأخرى ويوم الحساب) . وبنفس الوقت فأن هذه اليهودية تحمل جوهر الديانة العراقية:
(الإيمان بالحياة الدنيا فقط والاعتماد على رب سماوي جبار بانتظار المسيح المنقذ).
هذا هو الفرق الحاسم بين اليهودية وباقي الأديان العرفانية التوحيدية وبالذات
المسيحية التي تبنت بصورة كبيرة جوهر الديانة المصرية(كما سنرى).
ان العرفانية
التي نشأت اولا في الشام، كانت هي ديانة الجمع العبقري بين ديانة(الخصب والرب
المنقذ) العراقية وديانة(الحياة الأخرى ويوم الحساب والجنة الخالدة) المصرية.
النقطة المهمة التي تلاحظ في(العرفانية) ان الرب المنقذ(تموز او البعل) لم يهبط كالعادة
من اجل انقاذ(الحياة) الدنيا ونشر الخصب لكي يشبع البشر وتسير الحياة، بل من اجل انقاذ
(الانسان) من هذه الحياة الدنيا التي تمثل ظلمة البدن وانحطاط الروح! ان الابن
المنقذ(النبي والمهدي المنتظر) يأتي من اجل رفع الانسان الى(الحياة العليا الآخرة
عالم النور والخلود)التي سبق ان هبط منها مع سقوط السلف الأول (آدم وحواء) من
الجنة الى الارض. بشي من التبسيطية يمكن تحديد العرفانية كالتالي:(المسيح المنقذ
المخصب العراقي الشامي + يوم
الحساب والحياة الأخرى المصرية)!
منذ القرن
الثالث ق.م بدأ هذا التيار الروحي الجديد يتجلى وينتشر بين شعوب شرق المتوسط ، وقد
شاعت عنه الكثير من التسميات حسب المكان والطائفة ، مثل : الهرمزية المصرية،
الأفلاطونية الجديدة ، العيسانية الفلسطينية. رغم ان تسمية (الغنوصية) اليونانية
هي التي شاعت عن هذا التيار، الا ان التسمية الحقيقة الاصلية هي (المنداعية)
الآرامية وتعني العرفانية بالعربي. مازلت هذه التسمية يحملها صابئة العراق
(المندائية). هذه العرفانية بصورة مختصرة وكما تتضح من تسميتها هي عكس المعتقد
(اللا ادري ) الذي يؤمن بأن حقائق الوجود معقدة والانسان غير قادر على معرفتها.
بينما (المنداعية العرفانية) تؤمن بأن الانسان قادر على معرفة حقائق الوجود
واكتشاف الخالق ليس بالعقل والبحث اللامجدي، بل بالمشاعر والحدس والايمان الواثق
والكلي . تؤمن هذه الغنوصية بأن الوجود ينقسم الى ثنائي الخير والشر، النور
والظلمة. الخير هو الاصل وهو روحي لا مادي ولا بدني ويتمثل بالنور والسماء ومقر
الله رب الخير، اما الشر فهو كل شيء مادي بدني ويتمثل بالكثافة والارض والظلمة مقر
الشيطان رب الشر. وان الانسان بحقيقته واعماقه هو جزء من قوة الخير والنور ، ولكن
روحه سقطت على الارض ، كما سقط آدم بسبب معصيته، من الجنة عالم النور وا