PDFتحميل

 

سليم مطر ـ جنيف 2000

من اجل فلسفة حياتية جديدة

يحكى أنه ذات مرة في العصر القديم صدر حكم الإعدام ضد ضابطين متهمين بالتمرد والخيانة. تم جلبهما امام القائد العام ليتناولا امامه شراب السم حسب الأعراف المعمول بها. لكن القائد العام قرر لمزاج خاص ان يقدم السم لأحدهما ويقدم للثاني شرابا غير مسموم، من دون ان يعلما بهذا التغيير. تناول الضابطان الكأسين وفي ظنهما ان السم موجود في كأس كل منهما. كانت المفاجأة ان الأثنين قد سقطا ميتين: احدهما من السم، اما الآخر فمن اليأس لأنه في اعماقه قد إقتنع بالإستسلام التام لفكرة الموت!

هكذا إذن فأن مصير الانسان مهما كان سلبا ام ايجابا لكي يتحقق لا بد ان يمر عبر قناعاته الداخلية. وهنا يطرح السؤال : كيف تتكون هذه القناعات العميقة وكيف تؤثر على مصير الفرد والجماعة وهل يمكن التحكم بها؟ وهذا ما تحاول الدراسة الحالية ان تجيب عليه..

تواطء الضحية

حتى وقت قريب كانت الدوائر الحقوقية والبوليسية تدرس (علم الإجرام ـ CRIMINELOGIE) كمجال وحيد يتعلق بالجريمة وحيثياتها. لكن في السنوات الأخير بدأت هذه الأوساط تتداول مصطلحا جديدا يثير الكثير من اللغط والإعتراض: (علم الضحية ـ VICTIMELOGIE). والخطورة في هذا العلم الجديد انه لا يؤكد فقط على دور ((المجرم)) في حدوث الجريمة، بل ايضا على دور ((الضحية)) في حدوث الجريمة. ان المدافعين عن هذه الفكرة يعتقدون بأنه من المستحيل للمجرم ان يقترف جريمته من دون تواطء وتهاون ولو غير شعوري من قبل الضحية. فهم يقولون ان الرجل الثمل العابث التي يتباها بثراء محفظته امام الغرباء المحتاجين، الا يعتبر متواطئا في عملية سرقته لأنه فعل كل ماهو ممكن من اجل جلب انتباه اللصوص وتسهيل مهمتهم؟ كذلك الفتاة التي ترتدي كل الثياب المثيرة وتقوم بكل الحركات الجريئة في الأماكن العامة وتترك نفسها لتلبية دعوة شاب مسكين في شقته ثم ترفض النوم معه، الم تساهم عمليا في اثارة ذلك الشاب وتسهيل عملية إغتصابها من قبله؟

بالحقيقة ان هذه الفكرة الحقوقية الجديدة قابلة للتطبيق في بعض الحالات فقط، حيث يوجد تواطء فعلي شعوري او غير شعوري من قبل الضحية في افتعال الجريمة. ولكن هنالك ايضا حالات كثيرة لا يوجد فيها أي تواطء من قبل الضحية وليس له اية مسؤولية قانونية واخلاقية في حدوثها.

نعم، من الناحتين الأخلاقية والقانونية، هنالك جاني يتحمل المسؤولية، وهنالك ضحية خارج المسؤولية. ولكن يضيف هؤلاء ، انه من الناحية النفسية هنالك دائما تواطء من قبل الضحية في إكتمال الجريمة. نؤكد من الناحية النفسية وليس من الناحيتين القانونية والأخلاقية. أن الضحية في كل الأحوال ومهما كان بريئا وبعيدا تماما عن المسؤولية، الا انه في (اعماقه النفسية) لا بد ان يكون بحالة متواطئة تبحث عن الأذى. لكن هذا "الأذى المرغوب" والمطلوب نفسيا من قبل اية ضحية لا يعني بالضرورة انه مرغوب ان يتم عبر الجريمة.

مثلا، هنالك شخص سُرقت حقيبته اليدوية التي لا تحتوي على اشياء ثمينة سوى مفاتيح سيارته. للوهلة الأولى كان هذا الشخص مقتنعا بأنه "ضحية" للصدفة الحمقاء وانه يشعر بتذمر صادق من فقدانه لمفاتيحه. لكنه عندما بحث في اعماق نفسه اكشف انه في بواطنه الخفية كان راغبا بالتخلص من مفاتيح سيارته لأنه اساسا يعاني من مشاكل مع سيارته ويرغب ان يتخلص منها، لكنه لأسباب عديدة لم يكن قادرا على اتخاذ قرارا بهذا الشأن. هذا لا يعني انه كان راغبا ان يتم هذا من خلال السرقة، بل هو اساسا لم يكن قد فكر بالتفاصيل ، بل فقط رغب في اعماقه النفسية، لا أكثر! وكان بالإمكان ان يحقق رغبته الخفية بفقدانه المفاتيح من خلال سقوطها او نسيانها في مكان ما، او في اسوء الاحوال حصول حادث عرضي يصيب سيارته ويسبب عطلها. لكنه "صادف" وهو بحالته هذه انه تواجد في نفس المكان الذي يتواجد فيه سارق يبحث عن ضحية، وقد حدث التجاذب اللاشعوري بين الإثنين، الموجب والسالب،الفاعل والمفعول به، المجرم والضحية، فتمت السرقة!

إذن قانونيا واخلاقيا لا يمكن اعتبار هذا الشخص الضحية متواطئا بالجريمة، ولا اعتبار المجرم قد تم توريطه في الجريمة، لأن السارق كان مسبقا راغبا بارتكاب جريمته وتسبيب الأذى لأية ضحية متوفرة. ليس هنالك أي دور لهذه الضحية بدفع الفاعل الى ارتكاب فعلته. لكن هذا لا يمنع من القول انه من الناحية النفسية "التقنية" كان لدى الضحية "استعدادا"، إن لم نقل "رغبة" في ان يتعرض لفقدان مفاتيحه على امل الاستراحة من متاعب سيارته.

 

إعرف نفسك ايها الإنسان

 

رغم كل إدعاءات الإنسان بالمنطق والتحليل العقلاني والمنفعي، فأنه بالحقيقة يظل مدفوعا باللا منطق واللاعقلانية في الجزء الكبير من رغباته وشهواته وعلاقاته بالآخرين. فكم من الأشخاص ينغصون عليك حياتك لأنهم يحبونك ويبتغون إمتلاكك ومنع الآخرين من مشاركتهم بك.. وكم من الأشخاص لا يكنون لك أي ود لكنهم يقدمون لك كل التسهيلات لسبب باطني خفي قد لايفقهون هم انفسهم معناه!

لقد تعود الناس ان يحكموا على مشاعرهم ورغباتهم من خلال المعلن منها، متناسين ان هذه الطبقة العليا المعلنة كثيرا ما تكون زائفة وخداعة وتتناقض مع المشاعر والرغبات الحقيقية الكامنة في اعماق النفس. ثم ان الإنسان بالحقيقة لا تقوده مشاعره المعلنة بل مشاعره الخفية الكامنة في الأعماق والماسكة بجذور الروح وقيادة الشخصية.

لو تمعنا مثلا بحقيقة أي شخص يشكو من فشله في مجال ما، لتكن مسألة العثور على العمل والإستمرار به، فأننا سنكتشف في اعمق اعماقه رغبات ومشاعر مختلفة تماما عن رغباته ومشاعره المعلنة والتي يعتقد انه هو نفسه مقتنع بها. من خلال الاستجواب والتحليل سيكتشف انه في اعماقه لا يمتلك اية قناعة بالحصول على العمل، وانه في كل سلوكه واختياراته وردود فعله يعبر عن تلك المشاعر الباطنية، فتراه مثلا، انه عكس ما يتصور، يتجنب إختيار العمل المناسب والناجح، ويمضي وقته في البحث عن الأعمال الفاشلة التي تؤدي الى رفضه وطرده.

كذلك لو نظرنا الى أي إنسان، رجلا كان أم إمرأة، ممن يشكو من سوء حظه العاطفي والصداقي مع الجنس الآخر، سوف تلاحظ انه ، على عكس تصوره السطحي، في كل تجاربه الفاشلة كان يقع اختياره على الأشخاص المخالفين فعليا لمزاجه وقدراته والصعبين معه والمحكوم مسبقا بفشل تجربته معهم. وهو بنفس الوقت ظل دائما يتجنب الناس الذين يحملون المواصفات التي تناسبه. نعم ستكتشف ان هذا الإنسان الخائب كأنه ظل في كل تجاربه مدفوعا بإرادة خفية لتعذيب الذات والبحث عن المصاعب والمشاريع الفاشلة. ان "إرادة تعذيب الذات" هذه مرتبطة يقينا بميراث الطفولة والعلاقة مع الآخر ومع الوجود بأكمله.

هنالك شخص يقيم في المنفى عاش سنوات طويلة محاطا بأصدقاء كثر من ابناء جاليته. رغم كل جهوده الإيجابية الصادقة من اجل كسبهم وتشجيع روح الإلفة والتضامن فيما بينهم، إلا انه لم يجد منهم غير العقوق والنكران، بل كثير من الأحيان كانت هنالك الخيانة والغيرة وتأجيج العداوات. بعد سنوات من العذاب والتفكير والمحاولات الفاشلة، توصل اخير الى الجواب الذي اقنعه تماما: ان المشكلة لا تكمن في اصحابه، بل تكمن فيه هو. انه في اعماقه الدفينة ظل دائم الشعور بتأنيب الضمير بسبب طفولته القاسية ولأنه دائما لم يجد من اهله غير اللوم والضرب والتأنيب ولم يسمع منهم مديحا ولا تشجيعا ابدا. لهذا فأنه في اعماقه من دون شعور ظل يتعامل مع الأصحاب مثلما يتعامل مع اهله. كان في اعماقه ينتظر منهم اللوم والنكران والعقوق مثلما كان يفعل معه اهله. من دون شعور كان لا ينجذب الا الى الأصحاب الذين يقومون بمثل هذا الدور السلبي والقاسي.

هنالك فنان يعيش في المنفى منذ سنوات طويلة. وبما ان الفن لا يعيل فأنه ظل خلال اعوام طويلة دون جدوى يبحث عن عمل مناسب يدوم معه. لكنه كان دائما لا يجد غير الأعمال الوضيعة والمتعبة التي تنتهي بالمشاكل والطرد. خلال اعوام طويلة ظل يضع اللوم على اسباب خارجية عديدة: العنصرية، البيروقراطية، الصدف السيئة،وغيرها من الأسباب. لكنه بعد تفكير عميق وبحث صادق في تفاصيل نفسيته وكنه رغباته ومواقفه وقناعاته الخاصة بالعمل ، توصل الى النتيجة التالية: أنه كان دائما منذ الشباب في اعمق اعماقه يكره العمل ويكره كل اشكال العلاقة التراتبية الإدارية بالآخر. اكتشف انه لم يكن يكره العمل فقط بل كان يكره أي شكل من شكال التنظيم والإرتباط الجبري. له روح حساسة وهشة مليئة بالقروح والجروح بسبب معانات الطفولة التي امضاها بالفقر المدقع والعمل القاسي في كل الأشغال البائسة.سنوات طفولته جعلته يكره أي عمل ويشعر بالحقد ضد اجواء العمل وعلاقاته التراتبية وقوانينه الصارمة. كان في حقيقتة يحب عملا واحدا وحيدا: ان يتفرغ لفنه ويمضي وقته برسم لوحاته..

 

لغة النفس ولغة العقل

يتحدث عالم النفس السويسري المعروف (يونغ)، عن صديق له متسلق للجبال سرد عليه حلما ظل يتكرر عليه منذ ليال: ((يرى نفسه يتسلق جبل ثلجي حتى ذروته ويستمر في الصعود نحو السماء وهو مجذوب بنور خلاب يبث فيه نشوة وفقدان)). يقول يونغ، انه فهم بأن هذا الحلم يعني قرب موت صاحبه وصعوده الى انوار الغيبة الأبدية. لهذا فأنه نصح صديقه بأن يحذر من الذهاب للتسلق وان يتخذ كل الإحتياطات اللازمة. لكن الصديق استمر برياضته حتى سقط بعد بضعة اشهر ومات.

بالحقيقة ان هذه الحكاية يوردها يونغ، لكي يقول لنا بأن حلم صاحبه كان تعبيرا عن "قدر محتم" لموته القريب فوق الجبال. وكان يأمل تأخير هذا القدر في حالة تجنب صاحبه لقمم الجبال البادية في الحلم. طبعا ان موقف يونغ هذا يعبر عن موقف ديني"قدري" لا يختلف عن الموقف العلمي الذي يجعل من الظروف والصدف تمتلك قدرة خارجية تتحكم بدرجة شبه مطلقة بمصير الإنسان. لو كان يونغ يؤمن بصورة واضحة وتفصيلية بدور الإرادة الإنسانية، لكان نصح هذا الصديق ان يعالج نفسه التي قررت في اعماقها اليأس من الحياة والسير في طريق الموت. بدلا من تقديم النصيحة بالحذر من مصير خارجي محتم، كان من المطلوب الكشف والتنبيه الى وجود رغبة داخلية عميقة تدفع هذا الصديق الى تقبل الموت والبحث عن النشوة والفقدان في انوار الأبدية الموعودة. ان الإعتراف بوجود تلك الرغبة الدفينة يؤدي الى كشفها والتعرف عليها ثم العمل على السيطرة عليها وتشجيع الرغبات الإيجابية وخلق إرادة الخير الباحثة عن الحياة الأفضل.

نعم ان الأحلام تتنبأ بالمستقبل والمصير المقبل. ليس لأنها تتلقى رسائل من قوة خارجية عليا، بل لأنها تتلقى رسائل من اعماق النفس ذاتها. ان نفس الإنسان الخفية المطمورة في الأعماق تعلن عن مشاريعها ونواياها ومخاوفها وحتى نصائحها، من خلال الأحلام. لأن النوم يجعل الإنسان يتخلص من "حرس التشريفات والمخابرات والمداحين والمزوقين" الذين ينشطون في مملكة روحه اثناء ساعات الصحو. في النوم ينام كل هؤلاء المراقبين فتأخذ النفس الصريحة الصادقة حريتها الكاملة لتصعد الى الأعالي وتجول في عقل الإنسان وتتعرى من ثيابها الزائفة وتكشف له عن حقيقتها الجميلة والقبيحة التي لم ينتبه لها ساعات صحوه.

لكن المشكلة ان لهذه النفس الباطنية لغة بدائية موروثة من كل تجارب الإنسان وميراثته السابقة التي لاتعود الى زمن "وجوده الجنيني" فقط بل الى "الوجود الجنيني" للبشرية جمعاء منذ إن كانت ذرة في المطلق ثم الأكوان مرورا بمراحل تطور الحيوان ومجتمعات الإنسان وصولا الى العصر الحاضر. نعم ان لغة النفس هي لغة اللغات وحاملة ميراث الوجود والحياة، لهذا فأنها تُنطق في الحلم من خلال الرموز التي هي اقرب الى رموز الشعر والأساطير والحكايات والرسوم الفطرية والعابثة. اما اللغات المنطوقة المعروفة بين البشر فأنها تمثل "لغة العقل" لأنها تستخدم عموما صورا واقعية وحية ومفهومة. ان "لغة النفس" رغم اختلاف مفرداتها عن لغة العقل، الا انها تماثلها في وجود "المنطق" الخاص بها الذي لا يقل عمقا وعقلانية وتعقيدا عن منطق لغة العقل. ولكي يعرف الإنسان حقيقة نفسه الباطنية عليه ان يعرف معاني رموز لغة النفس التي تنصحنا في أحلام النوم وتفرض علينا اوامرها في ساعات الصحو..

Ü

البدن قلعة والروح جندها

إذا كان بدن الإنسان اشبه بالقلعة فأن روحه هي الجند الذين يحمون هذه القلعة. إذا حدث اختراق لجدار البدن فهذا يعني بكل يقين بأن الروح (او النفس) كانت متواطئة ومتساهلة، او حتى راغبة.

ان المرض لا يصيب سوى الإنسان المتواطء معه. الجراثيم موجودة في كل مكان وزمان، وهي لا تصيب الإنسان هكذا بالصدفة او لأنه قام بالفعل الفلاني. انها تصيب الإنسان الراغب في اعماقه بالإصابة بها. ان الجراثيم اشبه بالعدو الذي يبحث عن فجوة في قلعة البدن. والإنسان وحده الذي يهيء هذه الفجوة ويسمح للمرض بإختراق بدنه. أن جميع الأمراض والحوادث التي تصيب بدن الإنسان، هي تعبير عن حاجة داخلية مقموعة. مثلا، ان اصابة الأقدام هو تعبير عن الإحساس بالعجز عن "التقدم والسير" في مشروع هام يقلقه ويتعبه، ولهذا فأن معظم كبار السن يصابون باقدامهم، ليس لضعف بقدرتهم على السير بل لشعرو بعجز البدن وغدر العمر للسير في مجالات الحياة. ان اصابة الأذن تعبير عن رفض "سماع" وتقبل بعض الحقائق القاسية. ان اصابة المعدة تعبير عن رفض "هضم" الحياة اليومية. ان اصابة القلب تعبير عن كبت "عواطف ومشاعر" نحو الآخرين وهي تصيب عادة الناس المشتغلين في مجالات التنافس مثل السياسة والتجارة. ان اصابة التنفس تعبير عن كبت "غضب وصراخ" ضد الآخر.. الخ..

حتى ما يسمى بالسحر وعين الحسد،تجد تفسيرها في التاثير على ارادة الانسان من خلال توارد الخوارط. ان غاية الحاسد او الساحر وما يقوم به من فنون وترميزات هو التأثير على إرادة المسحور والبث فيه اما ارادة القوة والامل او ارادة الضعف واليأس والتخاذل. ان كل الحركات والطقوس السحرية غايتها تدعيم قوة توارد الخواطر. ان الإنسان القلق الفاقد الثقة بالنفس ذو الضمير المعذب هو الأكثر عرضة لإختراق خواطر الشر والحسد المنبعثة من الآخرين، اما الانسان الواثق من ذاته والمتمسك بضياء الأمل وإرادة الخير فأنه سوف لن يسهل إختراقه ابدا، بل على العكس ان خواطر الشر سوف ترتد على اصحابها. ان خواطر الشر والحسد مثل الجراثيم التي تملأ الهواء الكنها لا تتمكن من ايذاء الا الناس الضعيفي المناعة!

ان أية اصابة بمرض او بحادث، فأنها تعبير عن الرغبة بمعاقبة الذات، اما بسبب الشعور المقموع بتقصير ما او بكل بساطة من اجل التخلص من مهمة ما. كم هي معروفة حالة الأطفال الذين يتعرضون للحوادث لأنهم بالحقيقة يشعرون بإهمال الأهل او يعانون من قمع مدرسي او اجتماعي، وليس امامهم غير المرض والحوادث من اجل جلب الإنتباه والحصول على الرعاية والتخلص من القمع والكبت المخفي.

حتى الموت فأنه لا يحدث الا للأشخاص الذين قرروا في اعماقهم يأسهم التام من الحياة. لهذا يلاحظ ان كل الأشخاص الذي يقضون نحبهم يبدون علامات كثيرة منذ اشهر تدل على استعدادهم لتقبل الموت. يكفي ملاحظة الأعمال الأخيرة للكتاب والشعراء الموتى، انها دائما تتحدث عن الموت وتتنبأ وترحب به.

ان مشكلة الطب الغربي الحديث ومعه جميع العلوم والأفكار الغربية، انها لا تعالج سوى النتائج. هي بكل بساطة تعتبر الإنسان مثل آلة صماء يكفي تعديل بعض "مساميره واسلاكه" حتى يستعيد طبيعته الأولى. ان العقل العلمي يرفض اعتبار الإنسان ليس بدنا ماديا فقط، بل قبل كل شيء هو كائن روحي نفسي.

 

ان الطب الغربي اشبه بالنظام البوليسي القمعي. يعتقد ان افضل الحلول هي الأدوية الكيمياوية والمضادات الحيوية الفعالة والمركزة. ان دور هذه الأدوية يشبه تماما دور رجال البوليس الذين يقمعون المرض ويؤجلونه لكنهم ابدا لن يحلوا مشكلته من الجذور. لأن هذه الجذور تكمن في النفس وليس في البدن. والطب الغربي يعتبر الأمراض النفسية امرا خاصا بالنفس وليس لها اية علاقة بالبدن.هذا لا يعني ابدا الدعوة لرفض هذه الأدوية بل يعني جعلها جزءا من علاج إجتماعي نفسي شامل وصريح.

خلاصة الكلام، ان التفاؤل بالحاضر والمستقبل واحترام الذات وحب الآخرين، هي اسس الحياة السعيدة والصحة النفسية والبدنية. وكما تقول امثالنا الشعبية: تفاؤلوا بالخير تجدوه.. واضحك للدنيا تضحك لك!!